بدر بن سالم العبري
تحدّثنا في اليوم الماضي حول قوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}[1]، وبيّنا ماهية التكبير والهداية، واليوم نتحدث بعونه سبحانه حول قوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[2].
والشكر كما في مختار الصحاح مادة شكر هو الشُّكْرُ والثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، وقد شَكَرهُ بشكره بالضم شُكْرا وشُكْرَاناً أيضا، يقال شَكَرَهُ وشكر له وهو باللام أفصح … والشُّكْرَانُ ضدّ الكفران.
ولعل في وَلَعَلَّكُمْ بمعنى لكي، أي لكي تشكروا الله سبحانه وتعالى.
وهذا الجزء في الآية جاء بعد قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} خصوصا، وبعد آيات الصيام عموما، ومن المعلوم أنّ الصيام أو رمضان دورة إيمانية للرجوع إلى الله تعالى، وإعادة تربية الذات والمجتمع على الطاعة لله تعالى.
وفي آيات الصيام جاءت لعل في ثلاثة مواضع: الموضع الأول قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[3]، وسبق الحديث عن هذا بشكل مفصل في اليوم الثاني، وسيأتي الحديث عنها أيضا في اليوم الأخير.
وفي الموضع الثاني قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[4]، وهذا سيأتي الحديث عنه في يوم خاص، بعون الله تعالى.
أما الموضع الثالث فهو هذا الموضع وهو قوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، ونحن نلحظ أنّ مدرسة الصيام تخرّج مجتمعا يحمل صفات ثلاثة: التقوى والشكر والرشد، فالتقوى هي الوقاية من حرمات الله تعالى، والشكر الاستمرار على عبادة الله سبحانه وتعالى، والرشد هي المرحلة الراشدة التي يصل إليها الإنسان والمجتمعات وسيأتي بيان ذلك بعون الله تعالى في حينه.
ولا شك يجب أن يكون المرء وهو خارج من مدرسة الصيام، وقد رأى هذه المكرمات الإلهية، وأدرك ذاته، وحاسب نفسه، وعايش أمته ومجتمعه؛ وعليه ينبغي أن يخرج شاكرا لله سبحانه وتعالى.
فالله جلّ جلاله وقد منّ علينا بهذه المدرسة المجانية ينبغي أن نقابل هذا بالشكر لله سبحانه وتعالى، وهذا من نتائج الإخلاص والعبودية الخالصة له سبحانه، ويدل على هذا قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}[5]، وقوله: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}[6].
وعليه الشكر لله سبحانه وتعالى دليل واضح أنّ ثمرة رمضان هي ثمرة مقاصدية لا تقتصر في شهر الصيام؛ بل هي مدرسة وجامعة في حدّ ذاتها ثمرتها تخرّج مجتمعا شاكرا في كافة الجوانب في الحياة، فكما أنه مجتمع مراقب وقاف عند حدود الله تعالى؛ هو في الوقت نفسه مجتمع شاكر لأنعم الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يحبّ العبد الشاكر لأنعمه، والذين بهم يتكون المجتمع الشاكر بشكر أفراده، وعليه جاء الخطاب للمجموع كالعادة في قوله سبحانه: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
والشكر جانب مقصدي يعم مرافق الحياة جميعا في مسجدها وبيتها ومدرستها وجامعتها وسوقها ومكان عملها، وهو ثمرة العبادة {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}[7].
وأعظم الشكر في شهر القرآن هو الأخذ بالقرآن، والعمل به، وإنزاله إلى الواقع تطبيقا، وإلى الموروث البشري تصديقا، وإلى ما دونه هيمنة، وإلى الخلاف بين البشر فرقانا، وفي الدنيا تبيانا وهدى، وللآخرة نجاة وسرورا، وهذا هو شكر الله على نعمة القرآن، وقد اصطفانا الله بكلامه وتبيانه، كما اصطفى موسى بكلامه وتبيانه، {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}[8].
[1] البقرة/ 185.
[2] البقرة/ 185.
[3] البقرة/ 183.
[4] البقرة/ 186.
[5] إبراهيم/ 7.
[6] النمل/ 40.
[7] غافر/ 66.
[8] الأعراف/ 144.
