أيام رمضان (اليوم الرّابع عشر).. وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ

بدر بن سالم العبري

 

وصلنا في التأمل في آيات الصيام عند قوله سبحانه وتعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[1]، والعدّة أي المدة، وعليه هل المراد بقوله تعالى ولتكملوا العدة أي ما أفطرتموه في رمضان بسبب مرض أو سفر؛ لأنّ هذا الجزء جاء ضمن الآية التي تكرر فيها الترخيص بالفطر  بسبب السفر  والمرض، ومرتبطة بقاعدة التيسير  قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[2].

وعليه ذهب أكثر أهل التأويل إلى هذا الرأي، يقول الضحاك ت بعد 100هـ في قوله: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}، قال: عدة ما أفطر المريض والمسافر، وقال ابن زيد[3] ت 182هـ في قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ}، قال: إكمالُ العدة: أنَ يصومَ ما أفطر  من رمضان في سفر أو مرض [إلى] أنْ يُتمه، فإذا أتمه فقد أكمل العدة.

أو  يقصد من الآية إكمال رمضان لأنها في سياق آيات الصيام، ولأنها خاتمة للجزء الأول: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[4]، فالله تعالى في بداية الجزء يشير  إلى شهر رمضان جملة، وكذا بدايته بالمشاهدة، وعليه يختم بإكمال عدته، وهي إما تسع وعشرون يوما، أو ثلاثون يوما، وعليه تكون لفظة العدة لإكمال الشهر خصوصا، وإكمال قضائه عموما، وهذا أنسب للمقال والحال.

والإشارة هنا في إكمال العدة فيه جوانب مقاصدية كثيرة، وعلى رأسها الوفاء بالعقد لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[5]، والصيام عقد بين العبد وربه، عليه أن يكمله ويتقن العمل فيه.

ويُعتبر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} قاعدة مهمة في التعامل الإنساني مع الخالق ومع المخلوق ومع الكون، ولذا أسهب سيد قطب ت 1966م في تفسيره في ظلال القرآن، واعتبرها قاعدة عامة شاملة للحياة جميعا.

ورمضان – كما أسلفنا في الأيام الأولى – دورة تدريبية في جوانب عدّة، ولا شك يأخذ إكمال العمل والإتقان فيه حيزا من هذه الدورة، ليخرج إلى الحياة ويكمل ما ألزم نفسه به مع أهله وعشيرته ومجتمعه.

حيث أنّ الإنسان له لوازم مع  ربه ومنها بقاؤه على الطاعة في هذه الحياة، ولأنّ رمضان ذاته دورة مصغرة للحياة الدنيا كما أسلفنا ذلك أثناء الحديث في قوله سبحانه: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}[6]، وعليه أن يستحضر أن بقاءه في الحياة يوما بعد يوم في ذاته يقربه من ساعة انطلاقة إلى الدار الآخرة، من هنا في هذه الفترة عليه أن يكمل عدّته بطاعته لله سبحانه وتعالى، ومراقبة حدوده، كما أكمل عدته في رمضان بفعل الواجب، وترك المنهي.

كذلك عليه أن يُكمل العدة في بنائه البيت الزوجي بالإحسان والإمساك بمعروف، وتربية الأبناء التربية الصالحة، وحسن العناية والرعاية.

وهكذا كلما تبوأ منصبا، أو أُلزِم بأمر، أو ألزَم نفسَه بأمر، عليه أن يكمل العدة تحت ظل المراقبة لله تعالى، وتقديم مصلحة المجتمع على مصلحة الذات، والإخلاص في ذلك، مع الاستمرارية في الجهد والبذل.

عموما على الإنسان إكمال العدة في أقواله وأفعاله، فهو صادق في قوله وفعله، تحت ظل العمل المجتمعي، ولهذا كان الخطاب الجمعي في الآية {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} استحضارا لمعنى الجماعة.

 

[1] البقرة/ 185.

[2] البقرة/ 185.

[3] ابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، وليس جابر بن زيد، حيث إذا أطلق ابن زيد في كتب التفسير فينصرف إلى عبد الرحمن، والله أعلم.

[4] البقرة/ 185.

[5] المائدة/ 1.

[6] البقرة/ 184.