بدر بن سالم العبري
بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى التيسير في الصيام حالي المرض والسّفر، أتبع الله تعالى الحديثَ مباشرة بقانون التيسير حيث يقول: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[1]، وهذه كليّة عامة تسري على مفردات الحياة، وتشريعاتها المختلفة.
والشريعة الربانية قائمة على التّيسير، كما أسلفنا من قواعد قرآنية من ذلك:
- {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}[2].
- {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}[3].
- {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ}[4].
- { يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}[5].
وإذا جئنا إلى قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، نجد في الآية شقين: شق الإثبات، وشق النّفي، وفي الشقين معا استخدم لفظ الإرادة باشتقاق الفعل المضارع الذي يفيد الشمول والاستمرارية.
ولسنا هنا في معرض بيان الخلاف الكلامي في الإرادة هل هي صفة ذات أم فعل، فعلى هذا تصارع الناس قديما، والجميع مرادهم تنزيه الله سبحانه وتعالى، فمن قال بأنها صفة فعل أرادوا بذلك تنزيه الله سبحانه وتعالى عن النقص في نسبة إرادة المعاصي إليه، ومن أراد الاثنين فأوراد تنزيه الله عن العجز ونسبة الخلق والفاعلية إلى غيره، لذا كان الخلاف في مجمله أقرب إلى اللفظ منه إلى المعنى.
عموما الإرادة في قوله سبحانه وتعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} فالإرادة في حق المخلوق هي: قوة في النفس تمكن صاحبها من اعتماد أمر ما وتنفيذه[6]، أما في حق الخالق فكناية عن القصد الإلهي في تشريعاته وبنائها على الفطرة.
وعليه نلحظ الحق سبحانه عبّر بالفعل المضارع يُرِيدُ، وأسنده إلى لفظ الجلالة مباشرة (اللّهُ) للدلالة أنّ اليسر هو مطلب إلهي ذاتي مستمر في جميع التشريعات الربانية، وتعم جميع المخاطبين (بِكُمُ)، وعليه كان هذا الجزء قاعدة مطردة تدخل فيها فروع كثيرة من فروع الشّريعة.
واليسر ضدّ العسر، وهو الأمر السهل الموافق للفطرة البشرية، أما العسر فهو الضيق والشدة.
من هنا شريعة الله شريعة يسر في جميع لوازمها من أوامر ونواهي لا شريعة عسر وضيق وشدّة، وهذا قاعدة تؤخذ بعين الاعتبار، سواء في التقنين الفقهي الخاص، أو في التقنين المدني.
فالمفتي عليه أن يأخذ هذه القاعدة بعين الاعتبار، يقول أبو سعيد الكدمي ت 272هـ : ليس العالم من حمل الناس على ورعه وإنما العالم من أفتى الناس بما يسعهم في الدين، فالتيسير ينبغي أن يكون مصاحبا في التقنين الفقهي، ومراعيا للمقاصد العليا للشريعة في جوانبها المختلفة، وأبعادها المتعددة.
كذلك أيضا في التقنين المدني ينبغي أن يكون وفق هذه القاعدة، في جميع جوانبه، ليكون القانون مرنا مع مواده وتفريعاته، متوافقا مع فطرة الإنسان، ومقاصد البناء والحضارة.
وقانون: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} شامل في جميع جوانب الصيام، وكما أنها راجعة إلى المرض والسّفر مع الشدة والمشقة، فهي راجعة أيضا إلى الطّاقة والفدية ونحوها[7].
[1] البقرة/ 185.
[2] آل عمران/ 286.
[3] الحج/ 78.
[4] التغابن/ 16.
[5] النساء/ 28.
[6] ينظر المعجم الوسيط، مادة أراد.
[7] ذكرنا نماذج أكثر للمسائل المعاصرة في الصيام الداخلة في التيسير في مطوية ألحقناها في آخر الكتاب، فليرجع إليها.
