أيام رمضان (اليوم الحادي عشر).. فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ

بدر بن سالم العبري

 

في هذا اليوم يرجِع بنا القرآن مرة أخرى إلى الجانب العملي بعد لفتة مهمة إلى الجانب القرآني والمقاصدي كما رأينا سالفا، وهنا يشير القرآن إلى لفظة الشهادة في إدراك الشهر، وقبل الحديث عن هذه اللفظة، ولماذا استخدم القرآن لفظة شهد ولم يستخدم مثلا لفظة رأى ونحوها؟ نتطرق بداية إلى الخلاف السنوي والمتكرر في بداية دخول شهر رمضان وخروجه!!

حيث يتكرر الخلاف سنويا بين الأمة الواحدة في قضية رؤية هلال شهر رمضان، وعليه أغلب الآراء الفقهية في الرؤية تتمثل في ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: يرى اعتماد الرؤية البصرية كليّا في دخول الشهر، وهو الأصل لغيره من الوسائل المساعدة، والحسابات الفلكية، وعليه لو أنّ رجلين في نفس المكان، أحدهما يرى بعينيه، والثاني بتلسكوب متقدم، فادعى الأول أنه رأى الهلال، بينما الثاني ادعى عدم وجوده أصلا، هنا يقبل رأي من ادعى الرؤية بعينية، حتى ولو أنكرت الحسابات الفلكية والوسائل البصرية المتقدمة رؤية الهلال أصلا.

المذهب الثاني: يعتمد على الحساب الفلكي، وولادة الهلال بعد الزوال، فهذا حدّ كافٍ لدخول الشهر وخروجه.

المذهب الثالث: يرى الاعتماد على الحساب الفلكي في الإنكار لا الإثبات، ولا بأس من استخدام الوسائل الفلكية.

وعلى هذه المذاهب الفقهية الثلاثة يتشكل الخلاف بين الدول الإسلامية في بداية رمضان، وقبل العودة إلى هذه المذاهب الثلاثة ننظر في أصل المشكلة، وأصل المشكلة حديث الرؤية ونصه: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين يوماً.

وفي نظري البسيط، مساهمة في تقريب الرؤية بين الأخوة في الأمة الإسلامية، أرى أن يقرأ هذا الحديث قراءة قرآنية، وأن يربط بالسياق القرآني، وهذا ما سأحاول تقريبه للقراء الكرام في أربع مقدمات قرآنية متكاملة.

المقدمة الأولى: خلق الله سبحانه وتعالى الكون في نظام بديع متناسق، وفق درجات محددة لا تقدم فيها ولا تأخير، ومن هذا الشمس والقمر، فقد خلقهما الله وفق دائرة واحدة لا تتغير ولا تتبدل، قال سبحانه: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}[1].

المقدمة الثانية: أمرنا الله سبحانه وتعالى بالنظر في الكون، ومنه النظر في الشمس والقمر، وهما من أكبر آيات الكون، قال سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}[2]، والنظر في الكون بلا شك سوف يفتح للإنسان آفاقا في معرفة خلق الله سبحانه وتعالى، ليسخرها في حياته ويستعين بها على عبادته لربه.

المقدمة الثالثة: بين سبحانه وتعالى أنّ القمر والشمس حسابهما دقيق جدا، لا يتقدم ولا يتأخر، قال سبحانه: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}[3]، وقال: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}[4].

المقدّمة الرابعة: جعل الله تعالى ذاتَ الهلال ميقاتا للناس والحج، قال سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}[5]، فالله تعالى علّق الميقات بذات الهلال وليس بالرؤية أو النظر، وعليه تكون الرؤية البصرية وسيلة لتحقيق المناط لا غير، والوسيلة تتطور بتطور الزمان والمكان، وفي عصرنا هذا لاشك يحتل الحساب الفلكي الصدارة في إدراك ميقات الهلال.

وعليه عندما تحدّث القرآن عن آلية دخول شهر رمضان، استخدم لفظة: شهد في قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، وشهد كما في مختار الصحاح تأتي بمعنى القطع، فالشَّهادةُ خبر قاطع تقول شَهِدَ على كذا من باب سلم، وتأتي بمعنى المعاينة والحضور، والمُشاهَدةُ المعاينة، وشَهِدَهُ بالكسر شُهودا أي حضره فهو شَاهِدٌ، وقوم شُهُودٌ أي حضور.

وإذا جئنا إلى النظر في لفظة شهد نجد بداية أنّ القرآن الكريم وإن كانت الجملة محددة في شيء معين، إلا أنّ المفردات تبقى عامة ومطلقة ودقيقة في الوقت ذاته لتناسب التدرج الزمني، والتنوع المكاني.

والقرآن هنا لم يستخدم لفظة نظر أو أدرك أو شاهد، وإنما استخدم لفظة شهد، فالشهادة هنا تحوي التعددية، وتشمل القطع بحسب الوسيلة المستخدمة، وكذلك المعاينة والحضور، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان.

وإذا جئنا إلى رواية: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته نجدها أقرب إلى الوسيلة منها إلى التشريع، هذا على اعتبار أن النبي عليه السلام فعلا نطق بلفظة رؤيته؛ لأن الرواية محتملة النقل عن طريق المعنى، فهنا يحث النبي الناسَ على مشاهدة الشهر باستخدام الوسيلة المتاحة وهي الرؤية البصرية، وقد بين لهم العلة، وهي كونهم آنذاك في الغالب أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، ومثل هذا وسيلة الدابة في النقل، ووسيلة السيف في الحرب، فالرواية لا تفيد أن الرؤية البصرية هي الوسيلة الأولى والأخيرة لإدراك الشهر، وإنما استخدم بما يقدر عليه في عصرهم، فالغاية الإدراك والمشاهدة، والوسائل تختلف باختلاف الزمان والمكان.

وإن قالوا إنّ وسيلة الرؤية تناسب الجميع خلافا للحساب الفلكي فهذا غير صحيح؛ لأنّ القليل ممن أعطي قوة النظر، والأغلبية يتبعون من له قوة في نظره، ومعرفة بمداخل الشهر ومخارجه، وأماكن وجوده، وهذا اليوم أكثر إدراكا بالحساب الفلكي وعن طريق استخدام الوسائل المعاصرة والمتقدمة لا الرؤية البصرية.

ثم إنّ لفظة رأى في استخدام المصطلح القرآني تفيد القطع، نحو قوله تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}[6] والقطع هنا متحقق بالحساب الفلكي لا بالرؤية البصرية.

وبعد هذه المقدّمات ننظر الآن في المذاهب المعمول بها في رؤية الهلال، والمتقدّمة الذكر آنفا، وأهمها المذهبان الأول والأخير:

أما المذهب الأول فهو الذي يرى اعتماد الرؤية البصرية كليا في دخول الشهر، فهذا المذهب في جوهره يدور حول رواية الرؤية، ويعتبرها في حدّ ذاتها تشريعا لا وسيلة، وعليه الحساب الفلكي لا يعتبر في إثبات الرؤية، وبعضهم يبالغ إذ يعتبر أنّ الحساب الفلكي ظني الدلالة، والرؤية البصرية أقوى حجة منه، بل حتى الوسائل المساعدة يقدمون عليها الرؤية البصرية.

وأما المذهب الأخير فهو الذي يرى الاعتماد على الحساب الفلكي في الإنكار  لا الإثبات، ولا بأس من استخدام الوسائل الفلكية، فهذا وإن تقدّم في اعتماد الحساب الفلكي في الإنكار؛ إلا أنّ التفريق بين الإنكار والإثبات في حقيقته تحكم بلا دليل، وذلك لأنّ الهلال متحقق وجوده، ودرجة رؤيته موجوده، إلا أن لأسباب الجو قد لا يُرى، مع وجوده قطعا حسابيا وفق درجة الرؤية، وقد يرى الرائي فيظنه هلالا، وهو غير الهلال فقد يكون نجما ساطعا، أو طائرة ونحوه، وعليه يبقى هذا الرأي يدور في مجمله وفق حديث الرؤية أيضا.

وعليه يكون الرأي الثاني وهو الذي يعتمد على الحساب الفلكي، وولادة الهلال بعد الزوال، فهذا أقرب إلى المقدمات القرآنية، وروح التشريع الرباني، وهو الجامع بين العقل والنقل، والمسخر لسنن الله تعالى في الكون، والمستفيد منها.

إنّ هلال رمضان واحد في الأرض جمعاء، شرقا وغربا، والأمة تقدمت في علومها، فينبغي أن تكون الوسائل المتبعة في شرائعها موافقة لهذا التطور العلمي، لا أن تكون في ذيل القافلة، وأضحوكة بين الأمم.

إن اعتماد الحساب الفلكي كوسيلة متقدمة من الرؤية يخلص الأمة من الاضطرابات، كما أنه يعطي للحساب القمري قوته، خاصة في التقدم الاقتصادي، وعليه يمكن الاعتماد عليه في المصارف والشركات، وبهذا يكون للأمة قوتها في تقويمها.

وعليه سنجد القرآن يعلق الفعل شهد بمن التبعيضية في مِنكُمُ، وذلك ليس الجميع متمكنا في الإدراك رؤية أو حسابا، ثم طبيعة الكرة الأرضية وكرويتها مما تختلف المطالع بين البلدان، وعليه يتمكن القائمون بعلم الفلك وفق المعطيات العلمية المتاحة لهم، والتي تتسم بالدقة والشمولية من تضييق الخلاف بإذن الله تعالى.

[1] يس/ 39 – 40.

[2] الأعراف/ 54.

[3] الأنعام/ 96.

[4] الرحمن/ 5.

[5] البقرة/ 189.

[6] التكاثر/ 5-8.