بدر بن سالم العبري
تحدّثنا في اليوم السابق عن التيسير الرباني في الصيام، والمتمثل في المريض والمسافر اللذين يشق عليهما الصيام، وفي هذا اليوم نواصل الحديث عن الجزء الآخر من الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}[1].
وقد جاء في مختار الصحاح في بيان مادة الطّاقة إذ هي من طيق وهي الطَّوْقُ أيضا الطَّاقَةُ، وأطاقَ الشيء إطاقةً وهو في طَوْقِهِ أي في وسعه، وطَوَّقَهُ الشيء كلفه إياه[2]، إذا الطاقة إما من طَوْق أو طوّق، أما الأول فيفيد الإتيان مع السعة والقدرة، والثاني فيفيد الإتيان مع الكلفة والمشقة.
وعلى هذا كان الخلاف في التعامل مع الآية، فيعضهم يرى أنّ الآية محمولة على طوْق، أي يطيق الفعل ولكنّ مرخص له الفدية إذا أراد عدم الصيام ولو كان قادرا كما سيأتي بيانه بعد قليل، وبعضهم يرى من طوّق أي الذي يقدر الصيام مع الكلفة والمشقة كالكبير والعاجز، وعليه كانت قراءة أخرى مروية عن ابن عباس ت 68ه وهي: وعلى الذين يُطوَّقونه، من طوّق.
من هنا سنجد التناقض بين فريقين من المتقدمين من الصحابة والتابعين، ففريق يرى نسخها، وفريق ينكر ذلك رأسا، ومن قال بالنسخ اختلفوا أيُّ آية نسختها، فقيل: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[3]، وقيل: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}[4]، وقيل غير ذلك.
ومن الروايات التي أفادت النسخ رواية معاذ بن جبل ت 18هـ ونصها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصامَ يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كلّ شهر، ثم إنّ الله جل وعز فرض شهر رَمضان، فأنـزل الله تعالى ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} حتى بلغ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، فكان من شاء صامَ، ومن شاء أفطر وأطعمَ مسكينًا، ثم إنّ الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصوم، فأنـزل الله عز وجل: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الآية.
وذهب آخرون أنّ الآية لم تنزل في الجميع وإنما كانت خاصة بالشيخ والشيخة فرخص لهما ولو كانا مستطيعين الصيام أن يفطرا مع الفدية، ثم نسخت بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.
وممن أنكر النسخ أيضا اختلفوا فقالت طائفة منهم إنّ الآية باقية على المريض مرضا مزمنا وعلى الكبير العاجز الذي لا يستطيع الصيام، إذ نزلت فيهم رأسا، وعلى هذا قاس ابن عباس ت 68هـ الحامل والمرضع، فعن سعيد بن جبير ت 95هـ، عن ابن عباس: أنه رَأى أمَّ ولدٍ له حاملا أو مُرضعًا، فقال: أنت بمنـزلة الذي لا يُطيقه، عليك أن تطعمي مكانَ كل يوم مسكينا، ولا قَضَاء عليك.
وذهبت طائفة أنّ قراءة الآية في الأصل: وعلى الذين يُطوَّقونه، وقالوا: إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم، فهما يكلفان الصوم ولا يطيقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكانَ كلّ يوم أفطراه مسكينًا.
وذهب قوم أنّ كلمة يُطِيقُونَه مقدرة بمحذوف أي لا يُطِيقُونَه، فهنا حذف في الأصل، وعليه تحمل على عدم الاستطاعة والقدرة كالكبير والعاجز إذ يرخص لهما الفدية بدلا من الصيام.
ومن المعاصرين[5] من ذهب أنّ الآية باقية على القادر وغيره، إن شاء صام وإن شاء أفدى.
وعلى العموم هذه مجمل الأقوال وأهمها وهناك أخرى تركتها اختصارا لضيق المقام، وهذا الخلاف الكبير في التعامل مع الآية فيه دلالة واضحة على سعة الفكر الحضاري الذي كان يعيشه المؤمنون في العصور الأولى، والتي ضعفت بعد ذلك بسبب شيوع الإقصاء، وجعل أقوال الأئمة فوق التفكير العقلي، والتأمل المنطقي.
وإذا جئنا إلى هذا الجزء من آية الصيام لا بدّ من قراءته وفق الجزء السابق والتالي، أما السابق فقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، والتالي: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، وعليه تظهر لنا هذه المعادلة:
المقدمة الأولى: المريض والمسافر يفطران ويقضيان، والمقدمة الثانية: الذي يطيق الصيام يفطر مع الفدية، وعليه الأصل الأولى بالترخيص على المريض والمسافر لعلة المشقة، فالفدية الأولى لهما، لذا لزم حمل كلمة: يُطِيقُونَه، على: يُطوَّقونه، بدلالة الجزء الآخر: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، أي إن استطاع، ولكن للمشقة الشديدة الدائمة كانت الرخصة بالفدية.
وعليه روايات النسخ تتعارض مع آيات الصيام وإن صح سند بعضها، فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} يعمُّ الجميع بلا استثناء، من هنا كان التفصيل المتناسق بعد ذلك للمريض والمسافر والذي يشق عليه الصيام في جو متناسق تنزيل من رب حكيم، فهذه الروايات تجعل النصوص القرآنية متضاربة، فالأولى إبعادها وترك النص القرآني يفيض بنورانيته وأحكامه دون حاجز أو معارض.
وترك هذا الجزء من القرآن ترك حكم قرآني الأمة بحاجة إليه في سائر عصورها، ونحن اليوم بحاجة إليه خاصة في الدول الذي تتساوى فيه ساعات الليل والنهار في العام- أي اللّيل ستة أشهر والنّهار كذلك-، أو يطول فيه النهار بحيث يشق الصيام، فمن العجب أن يقدّر الصيام عند هؤلاء بساعات أمة بعيدة عنهم، فيفطرون والشمس في كبد السماء، والله تعالى يقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}[6]، والله تعالى عليم بشرعه زمانا ومكانا، لذا كان التناسق في آيات الصيام، {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فهذه الأمم يشق عليها الصيام فيرخص لها الفدية لعدم القدرة على القضاء.
والخلل يعود أيضا في قصر رمضان على جانب ترك الطعام والشراب، وإن كان هذا مجسّدا للصيام إلا أنّ رمضان فيه التنافس على كافة أنواع الخير والبر، ومن هنا كان الجزء الآخر مباشرة: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
أما الحامل والمرضع فقياسهما على الكبير والعاجز قول وجيه، وأولى من قياسه على المريض والمسافر، فهما لطول مدة الحمل ومن ثم الرضاع وبعد قد يأتي حمل ورضاع آخر في حكم غير القادر، وعليه كان لهما الفدية دون القضاء، إما إلزامهما بالفدية والقضاء فهذا بعيد عن الصواب، فالذمة لا تشغل بأمرين في وقت واحد.
ويُقاس على هذا أيضا من يشق عليه الصيام بسبب العمل المرهق الشديد، كالبناء خاصة في الدول شديدة الحرارة، إذا طال عليه الأمد في هذا العمل، ولم يستطع الصيام هنا يُرخص له في الفدية.
وعند التأمل البلاغي في هذا الجزء من الآية نجدها ابتدأت بحرف الجر عَلَى، وهو يفيد في جوهره العلو، وعليه هذا يؤكد أنّ يطيقونه هنا ليست في مجال السعة؛ بل الشدة، والخطاب موجه إلى الجماعة، وهو باقٍ إلى قيام الساعة.
والفدية مثل الفِداء بالكسر يمدّ ويقصر، وبالفتح يقصر لا غير، وفداهُ وفاداهُ أعطى فداءه فأنقذه وفَدَاهُ بنفسه[7]، والفدية هنا من الفداء، والفداء في الصيام يقابله طعام، لذا توجد قراءة أخرى: فِدْيَةُ طَعَامِ مِسْكِينٍ، أي أضاف الفدية إلى الطعام، وفي العموم الخلاف هل الطعام مرفوع أم مضاف مجرور ليس كبير أهمية، ففي النهاية أنّ الفدية عبارة عن طعام، ولكن ما مقدار هذا الطعام؟ نجد أنّ القرآن لم يشر إلى ذلك لا من حيث الجنس، ولا من حيث المقدار، لذا اختلف علماء الصحابة وكبار التابعين ومن بعدهم في التعامل معه أيضا، فمنهم من قال نصف صاع[8] من قمح، ومنهم من زاد التمر والزبيب، ومنهم من أجاز التمر أو اللحم أو الأرز وغيره من شائع قوت أهل البلد، ومنهم: ما كان المفطر يتقوَّته يومَه الذي أفطرَه، ومنهم من أضاف مع الفطور السحور والعشاء دون تحديد بصاع، وغيرها، وإطلاق الأمر في القرآن فيه سعة للعقل البشري ليحدد المقدار بما يتناسب مع الزمان والمكان وحاجة الفقير، وهذا أكبر مؤشر للجانب الحضاري في شرائع الله تعالى، فليست العبرة بالمادة المحددة من الطعام بمقدار النظر إلى حاجة المسكين، وملائمة ذلك للزمان والمكان[9].
وكذا الحال في مسكين، ففي بعض القراءات مساكين لا مسكين أي بالجمع، وهذا واسع في الجملة، والمهم هنا لم يحدد القرآن من هو المسكين، وإنما ترك ذلك للعقل البشري وفق المعاش الكسبي في الحياة، مراعاة بالنظم الاجتماعية، وعليه ندرك الأبعاد الحضارية لهذه الجزئيات من الشريعة القرآنية في كونها تتلاءم مع الزمان والمكان.
[1] البقرة/ 184.
[2] ينظر مختار الصحاح، مادة طيق.
[3] البقرة/ 184.
[4] البقرة/ 184.
[5] ولعل من السابقين من قال ذلك. ينظر.
[6] البقرة/ 187.
[7] ينظر: مختار الصحاح، مادة فدي.
[8] وهو يساوى الآن تقريبا كيلوين وأربعة وعشرين غراما.
[9] للمزيد راجع بحثنا زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفية النص، مدرج في الملاحق.
