بدر بن سالم العبري
يوم الثّلاثاء 21 أغسطس وافق عيد الأضحى المبارك لعام 1439ه في الولايات المتحدة الأمريكيّةـ، وكانت أغلب الدّول الإسلاميّة عيّدت يوم الاثنين، وبطبيعة الحال وافق العيد في أمريكا الثّلاثاء لاختلاف التّوقيت، ولأنّهم فيما يبدو يقولون بالولادة ويعتمدون على الحساب الفلكيّ، وقد حدث لغط في بلدنا عمان بسبب أنّ الدّولة اتبعت باقي الدّول العربيّة والخليجيّة، ومعظم الدّول الإسلاميّة، ليوافق عرفة الأحد 19 أغسطس، فوقع جدل كبير؛ لأنّ شهر ذي القعدة أصبح ثمانية وعشرين يوما، وكتبت مقالا في هذا، وبينت أنّ السّبب عندما لا يُبنى الحساب الفلكيّ عندنا على الولادة قبل الغروب فحسب؛ بل يشترط إمكانيّة الرّؤية البصريّة لدرجة معينة في الأفق، فيحدث بذلك الاضطراب.
وعلى العموم بحثنا عن مكان تقام فيه الصّلاة، فأخبرنا عن أقرب مكان لنا، وهو عبارة عن قاعة استأجرها مركز الجاليات العربيّة ICCI، وهو لا يبعد عنّا كثيرا، فلبستُ اللّباس العمانيّ، فلمّا نزلت إلى الأسفل قيل لي يفضل عدم لبسه، بسبب تنامي النّظرة السّلبيّة إلى العرب، ولكي لا نتعرض لأيّ إيذاء، وذلك لوجود متطرفين عند الجميع!!!
فأخذتُ بنصيحتهم، وذهبت إلى القاعة مبكرا، حيث وصلنا تقريبا السّاعة السّابعة صباحا، فلم نجد في البداية أحدا، ثمّ بعد فترة بسيطة جاء أحد الشّاميين، وأصله فلسطينيّ أردنيّ، فقال نصلي العاشرة والنّصف، وكان يحمل اللّاصق الورقيّ ليضعه على السّجاد لكي تتساوى الصّفوف، فقال هل تساعدونيّ في تخطيط الصّفوف؟ فسعدنا بطلبه ومساعدته، وكانت القاعة كبيرة جدّا، ووضعوا في المدخل طاولات للشّاي والقهوة والماء، مع أكياس تضع فيها الأحذية.
بدأ النّاس يأتون وأغلبهم من بلاد الشّام، والنّساء والرّجال يتجمعون في مكان واحد، وكعادة أطفال الشّاميين يلعبون ويمرحون، وعندهم طاقة حركية هم وأبناء مصر، وعلى حرارة دم رجالهم لكن في هذا لا يغضبون، ووجدت هذا في لبنان وفي مساجدهم، بينما عندنا ولو حركة بسيطة لثار كبار السّن – خصوصا – غضبا، أيضا وجدتهم في تكبيرات العيد يفتحون المجال للأطفال بصورة واسعة، والكلّ يردد خلفهم، ويقولون: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

ومن المشاهد الجميلة رأيتُ سعوديّا هو وابنه يقدّمون الحلويات مع القهوة السّعوديّة، وذكرني هذا بالمسجد النّبويّ الشّريف، خصوصا في رمضان، عندما يتسابق الجميع لجذبك ليتشرف بأن تفطر على سفرته، وتجد الأطفال والكبار يتسابقون في إكرام النّاس بالقهوة والشّاي واللّبن والماء والتّمر.
عموما صلّينا صلاة العيد ركعتان باثنتي عشرة تكبيرة، وقبلها قام الإمام وهو مصريّ، ويبدو أنّه في بداية الثّلاثين من عمره، قام بحث النّاس على التّبرع للمركز، وما يقوم به من خدمات جليلة في التّعليم خصوصا، لكني وجدتُ عادة لم أحبذها فيقولون مثلا: من يتبرع بخمسة آلاف دولار، من … من، فإذا رفع أحدهم يده يعلن اسمه، فإن لم يرفع يخفضون المبلغ قليلا، ويحثونهم بصورة كبيرة، وهكذا حتى يصلوا إلى مائة دولار، ويوزعون ظروفا تكتب فيها اسمك والمبلغ المتبرع، كما يأتون بصناديق تضع فيها المبلغ إن لم تحب ذكر اسمك، وفي نظري يمكن تذكير النّاس بالدّعم والتّبرع دون هذه الصّورة، مع إعطائهم الحريّة، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، وما يحدث هنا أقرب إلى السّمسرة في البيوع، وعموما لكلّ أمّة عاداتها، فما لا تستسيغه لا يعني أنّه سيئا!!!
في البداية تحدّث الخطيب عن مقصدية الحج، وأنّ الحجيج استجابوا لنداء الخليل إبراهيم – عليه الصّلاة والسّلام -، حيث جاءوا من كلّ فج عميق، جاءوا لعبادة رب واحد، في هتاف وتلبية واحدة.
ثمّ تطرق إلى سنة الاستجابة، بداية من إبراهيم، حيث استجاب لربه في رفع قواعد البيت الحرام، واستجاب أن يضع زوجه وابنه في أرض قاحلة جرداء، لا زرع فيها ولا ماء، وكذا استجاب لربه في أن يؤذن للنّاس بالحج، ثمّ استجاب النّاس لدعوة خليل الرّحمن من قبل ربه قائلين: لبيك اللّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنّعمة، لك والملك، لا شريك لك.
ثمّ تطرق إلى مصاديق الاستجابة مناديا الشّباب عن استجابتهم لله سبحانه وتعالى، هل استجبتم في جوارحكم لله سبحانه، خاصّة وأنّهم في بلد الغربة، فينبغي استغلال هذه الفرصة بطلب العلم وفعل الخير، فهؤلاء – أي الغربيين – أتوا يوما إلينا، فأخذوا العلم والمعرفة من حضارتنا، فتفوقوا علينا، فصاروا هم الأعلى ونحن الأسفل.
ثمّ خصص الخطاب للنّساء بتقوى الله سبحانه وتعالى، وعليها بالعفة وطاعة الزّوج وإقام الصّلاة، والمرأة ليست نصف المجتمع؛ بل هي المجتمع كلّه، فإذا صلحت صلح المجتمع بأكمله، فهي مصنع الرّجال.
ثمّ تطرق إلى انشراح الصّدر، وهذا يكون بتقوية العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، لذا حث أن يكون للمرء حظه من بيوت الله تعالى، فلابدّ من الاهتمام بالمساجد، ولابدّ أن تلصق به مدارس التّعليم، لتجمع هذه المساجد بين تعليم الإسلام من قرآن وسنّة وشريعة، وبين الجانب التّعبديّ الّذي يمارسه الإنسان فيها.
ثمّ جلس جلسة خفيفة في ثواني، ثمّ قام للخطبة الثّانية وتحدّث فيها عن أيام التّشريق وفضلها، وإلى قضيّة الأضاحي وشروطها وسننها ومستحباتها، وكيفية الذّبح وسننه.
وختم الخطبة بسورة الكوثر والتّلبية ودعاء بسيط والصّلاة على النّبيّ محمّد وآله.
وعموما سجلّتُ الخطبة ونشرتها في قناتي اليوتيوبيّة في اليوم نفسه، وهي خطبة جيدة، وإن كنت أتصور سوف تتطرق إلى الوضع في الغرب بصورة أعمق، خاصة ما يعانيه ويلامسه المجتمع هناك، كما لاحظت صورة لم تعجبني وهي بعد الصّلاة نسبة كبيرة من المصلين اشتغلوا عن الخطبة وسماعها بالتّسليم والحديث الجانبيّ، وهذا يؤثر على الخطيب لأنّه يشعر بعدم الرّغبة في السّماع له، كما يؤثر في بقيّة المستمعين نتيجة الضّوضاء!!
وبعد الخطبة كان الجو ممطرا ورائعا، فذهبنا إلى أكبر معبد للهندوس في شيكاغو، وسابقا زرنا معبد إيسكان وهو لمذهب من مذاهب الهندوسيّة، وهذا المعبد يوجد فيه مبنيان، الأول قديم والثّاني حديث، وبني من الرّخام الإيطاليّ بأيدي بشريّة، ويبلغ وزن الرّخام ثمانية آلاف طنّ، وبينهما رابط حوّل إلى متحف فيه صور لعلماء هنود، ويبدو من الصّور أنّهم من الهندوس خدموا العلم في الطّب والتّكلنوجيا والرّياضيات والهندسة وغيرها، فمثلا اكتشفوا الرّقم صفر، ولولاه لم يخترع الكمبيوتر.
وفي بداية المعبد بوابة كبيرة عن يمينها فيلان أحدهما كبير والثّاني أصغر، وكذا عن يسار البوابة، حيث يعتقدون أنّ خرطوم الفيل يدل على التّرحيب والاحترام.

ولمّا وصلنا إلى المبنى القديم وفيه قاعة قديمة للمعبد وسعت بقاعة جديدة، أمرنا بخلع الأحذية، وهنا استقبلنا رجل كبير في السّن، يبدو عليه سيما التّعبد والكهانة، نسيت اسمه، مررنا معه بداية بالقاعة القديمة، وبعدها دخلنا القاعة الجديدة، وعلى حواليها تماثيل في مقدمتها تمثال أتصور كريشنا وزوجته، وقال الآن عندهم طقس الصّلاة، فجلسنا في الأرض، وهم عادة لمّا يدخلون يسجدون نوما على بطونهم، ويفسرون الحركة أنّها نوع من السّجود، وهو دلالة على الفناء، فبدأ الطّقس، وفتح مكان الآلهة المجسد بالتّماثيل، وكانت موسيقى رائعة تضفي للسّامع هيبة وخشوعا مع المكان، ويمررون البخور، وشيئا ما يشرب منه أو يؤكل لا يحضرني الآن.
والطّقس لم يستمر طويلا، وأخذنا الرّجل يشرح لنا المعبد، وسألناه في البداية عن إطلاق لفظة الهندوسيّة عليهم؛ لأنّه في معبد إيسكان رفضوا الإطلاق وقال نحن فيدس، والّذين سمونا بالهندوس هم الفرس، وأشرنا إلى هذا سابقا، فقال الهندوسيّة ظهرت منذ خمسة آلاف سنة، ومذهبنا نشأ منذ ثمان وأربعين ومائتين سنة، وعندهم خمس شخصيات مقدّسة، أحدهم ظهر قبل ثمان وأربعين ومائتين سنة، وآخرهم توفي قبل عامين، وفي مذهبنا لا نجد حرجا من إطلاق الهندوسيّة علينا، وسيفتتح لهم معبد كبير في أبو ظبي عام 2021م، وقد أعطاهم الشّيخ محّمد بن زايد أذنا بذلك.
ثمّ تطرق إلى أنّ الله جاء إلى الأرض باسم راما، والله واحد؛ لكنّه ظهر على هيئة أشخاص خلال فترات مختلفة ليوصل رسالته إلى البشريّة، وتتجسّد في تماثيل، ويرون عدم جواز لمسها لأننا لا نتصف بالطّهارة، ويستثنى من هذا الأولياء، ومن أهم مبادئهم: اللّاعنف، والسّلام، والابتعاد عن الأنانيّة والكراهيّة، ويقدّسون خمسة عناصر: النّار، والهواء، والماء، والتّراب، والمكان؛ وهم نباتيون، ويقدّسون البقرة لكونها تعطي الحليب فلا يجوز ذبحها.
وكرر صاحبنا أكثر من مرة في أهمية التّربيّة، واحترام الوالدين، وخدمة البشر، والبعد عن العلاقات الجنسيّة خارج أطر الزّواج، وطلبنا منهم تسجيل حلقة لكن رفضوا واكتفوا بالحوار الشّفهيّ.
وبعدها رجعنا إلى النّزل فالغداء لنستعدّ للذّهاب إلى معبد جورد زيلاجس سو سني، وتسجيل حلقة حول الدّيانة السّيخيّة كما سنرى في الحلقة القادمة.
