رِفقاً بالقوارير

 

الكاتب: حسن بن عبد الله العجمي

مما لا شك فيه أنّ العلاقة الزّوجية بين الرّجل والمرأة لا تكون دائمًا على توافق تام، فقد تمر من حين إلى آخر بحالة من عدم الانسجام نتيجة لوقوع خلاف ما بينهما، والذي قلَّ أنْ تخلو منه علاقة من العلاقات الزّوجية، وهذا الخلاف سوف يكبر ويتفاقم إنْ لم يعالجه الزّوجان بالحوار الذي يسوده الحب والاحترام والتفاهم الخالي من العنف، فهو العلاج الأمثل لكل حالة توتر قد تحصل بين الزّوجين، إلاّ أنّه مما يؤسف له أنّ بعض الأزواج إذا ما أخطأت زوجته في حقّه مهما كان نوع هذا الخطأ وإنْ كان خطئًا بسيطًا يكفي فيه تنبيهها عليه لتتجنبه فإنّه يتعامل معها بالعنف، وهذا العنف يأخذ أشكالًا مختلفة من سبّها وشتمها وتوجيه الكلام السيء والقبيح وما فيه إهانة واحتقار لها، وقد يتعدى عند بعض الأزواج توجيه مثل هذا الكلام الزّوجة فيوجهه أمامها وبمسمع منها إلى أهلها وأقاربها كأبيها وأمّها وإخوتها وأخواتها وقد يوجّهه إلى غيرهم من أرحامها، أو الضرب الذي قد يكون في بعض صوره ضربًا شديدًا مؤلمًا يخلّف أثرًا على بدنها أو يكون مدميًا في بعض الحالات، وهذا التّصرف السيء السلبي من الزّوج تجاه زوجته مما يزيد المشكلة القائمة بينهما تعقيدًا وتفاقمًا، الأمر الذي قد ينتج عنه في بعض الحالات إنهاء علقتهما الزّوجية بالانفصال والطلاق.

قد يتصوّر البعض أنّ حالات عنف الأزواج ضد زوجاتهم نادرة أو قليلة الحدوث، وهو تصور خاطئ وخلاف ما تدل عليه نتائج الدراسات التي أجراها المتخصصون في مجال علم النفس والاجتماع وغيرهم، وهي متفشية في كل المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، المتحضرة منها وغير المتحضّرة، فقد ذكرت منظمة الصحة العالمية بأنّ ثلثي نساء العالم يتعرّضن للإساءة والأذى البدني من جراء العنف داخل المنازل، والنّسب في البلاد الإسلامية والعربية قريبة مما في غيرها، ففي مصر مثلًا تصل نسبة النساء اللاتي يعترّضن للضرب من قبل أزواجهن إلى 35% حسب ما جاء في دراسة للمركز القومي للبحوث في مصر (1).

إنّ المرأة التي يتعامل معها زوجها بطريقة العنف ستعيش عدم الشعور بالأمان، الذي هو من أهم أسس العلاقة الزّوجية، وبفقدانه يخلو البيت من الحب والرّاحة، ويتحوّل إلى مكان للصراع بين أفراده، الأمر الذي ينعكس سلبًا على كافة أفراد العائلة، وبتكرار العنف ضدّها ونتيجة لقهر الزّوج المتكرر لها ستصاب بحالات من العقد النفسيّة والتي ربما تتطوّر وتكبر لتصل إلى حالات مرضيّة سلوكيّة كانتهاج العدوانية، فهي لن تكون الزّوجة المثاليّة، ولن تحمل لزوجها الودّ والحبّ، وستحاول أنْ تفرغ شحنات غضبها – إن لم تكن قادرة على الرّد بالمثل – من خلال أساليب أخرى كتعمدها إغضاب الزّوج من خلال تصرّفات وسلوكيات تكون مورد استفزاز له، من تقصيرها في القيام بحقوقه وإهمالها لواجباتها الزّوجيّة والأسريّة.

هذا إنْ قبلت الاستمرار معه في هكذا علاقة، وإلاّ ففي حالات عديدة لا تقبل المرأة أن تعيش مع زوج يمارس معها العنف، فيعتدي عليها قولًا وفعلًا، ويحسسها بالإذلال والمهانة ويشعرها بالإحباط واحتقار الذّات، ويحوّل حياتها إلى جحيم لا يطاق، ويجلب لها العقد والأمراض الجسديّة والنفسيّة ويضطرّها إلى أن تسلك سلوكيات سلبيّة، فتسعى إلى التخلّص من علاقتها معه، وفض العلقة الزّوجية وإنهائها، وبالتالي تتفكك الأسرة، وهو من أخطر الآثار الاجتماعية لعنف الرّجل ضدّ زوجته، لما هو معلوم ما لانحلال الأسر وتفككها من الأضرار الكثيرة على الفرد والمجتمع. 

 إنّ استخدام العنف مع الزّوجة مخالف لتوجيهات الشريعة الإسلامية في تعامل الزّوج مع أخطاء زوجته، فالشريعة الإسلامية توجه الرّجل إلى أن يتجاوز عن خطئ زوجته ويعفو عنها ويغفر لها زلّتها، ومخالف أيضًا للعشرة بالمعروف التي أمر الله سبحانه وتعالى الأزواج أن يتعاملوا وفقها مع زوجاتهم في قوله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (2).

تلك المعاشرة التي تدل في إطلاقها على أن لا تكون في فرد من أفرادها ولا مصداق من مصاديقها إلاّ بالمعروف. وهو ما يوحيه قول النبي الأكرم “صلى الله عليه وآله وسلّم”: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”(3)، خيريّة يوصف بها من كانت جميع تصرّفاته مع أهله وعلاقته بهم متصفة بذلك، حيث لا تبعيض لا في المعاشرة والخيريّة، فليست المعاشرة والخيريّة المطلوبة مطلوبة في جهة دون أخرى، بل عاشروهن بالمعروف وكونوا لهن خيرًا مطلقًا.

ثم إنّ العنف الذي يمارسه الرّجل ضدّ زوجته يخلّف آثارًا سلبيّة على أولادهما، حيث يخلق عندهم أنواعًا من الأمراض النّفسيّة والسلوكيات غير الأخلاقية، فهذه أم كانت تتشاجر مع زوجها أمام أطفالها تشكو ما آلت إليه حالة طفلها النّفسيّة، فتقول: (مشكلتي تعاني منها كثير من الزّوجات، فكثير ما يحدث شجار وخلافات بيني وبين زوجي أمام أطفالي الصّغار مما يترك الأثر على نفسياتهم، وقد لاحظت مؤخّرًا أنّ طفلي البالغ من العمر تسع سنوات بدأ بالانطواء وهو يجلس مع نفسه كثيرًا دون أن يبدي أسبابًا لذلك) (4). 

كما أظهرت العديد من الدّراسات أنّ الأفراد الذين يعيشون في أسر يسودها العنف قد يصابون بعدوى العنف، فهم أكثر قابلية لأن يكونوا عدوانيين في تصرّفاتهم، (فقد وجد ستراوس(5) وزملاؤه أنّ الأزواج (6) الذين يعيشون في أسر يسودها العنف يكون احتمال ضربهم لزوجاتهم عشرة أضعاف الرّجال الذين يعيشون في أسر لا يسودها العنف) (7).

(وتشير الدّراسات النفسيّة إلى أنّ خلافات الوالدين ومشاجراتهما قد تؤثر سلبًا في الحياة الزّوجية لأبنائهم مستقبلًا، حيث أنّ انتقال الصراع الزّوجي من جيل إلى آخر ينتج عندما لا يتعلّم الأبناء مهارات التّحدّث وسلوكيات التّواصل والتّفاهم بسبب مشاهدتهم ومراقبتهم للخلافات التي تحدث بين آبائهم وأمّهاتهم، وكيف يتعاملون بعضهم مع بعض بشكل سلبي) (8).

فـ (الطفل الذي ينشأ في أسرة مليئة بالعنف لا شك أنّه سيتعلّم هذا النّموذج ويحمله معه إلى المجتمع والمدرسة والشارع ثم إلى أسرته التي سيكوّنها في المستقبل، وسيتوارث العنف جيلًا بعد جيل) (9).

والخلاصة: إنّ الأضرار الناتجة عن عنف الرّجل ضدّ زوجته عديدة لا تقتصر على الزّوجة وحدها، وإنّما تتعدها إلى الأولاد بل إلى الزوج أيضًا، وهي أضرار من الخطورة بمكان، فلا يمكن التغاضي عنها والاستمرار في الإتيان بمسبباتها، ولذلك فعلى الرّجل أن يعلم بأنّ الحياة الزّوجية المستقرّة هي تلك التي تقوم على أساس من الوفاق والتّفاهم وإخلاص كل واحد من الزّوجين إلى الآخر، وعدم تعدّيهما على بعضهما، وإن حصل وحدثت مشكلة ما بينهما فلا بدّ من حلّها بالتي هي أحسن؛ بالهدوء وبالعفو والحلم والصفح والتجاوز عن الخطأ، وأن يبتعدا عن إظهار ما يحصل بينهما من خلاف أمام أولادهما، لأنّ سلوك غير ذلك سيؤثر سلبًا على الأسرة واستقرارها، وقد يؤدي إلى تفكك الأسرة وتشتت أفرادها، لا سيما الأبناء الذين هم عادة ضحيّة بعض السلوكيات الخاطئة للوالدين.

_____________________

(1) انظر العنف الأسري لكاظم شبيب، صفحة 36.

(2) النساء: 19.

(3) تفسير ابن كثير 2/212.

(4) الأزمات النّفسيّة – العاطفية.. مشاكل وحلول، صفحة 19.

(5) كلود ليفي ستروس عالم اجتماع فرنسي 1908 – 2009م.

(6) يقصد الأطفال الذين سيكونون أزواجًا في المستقبل.

(7) العنف الأسري، دوافعه وأثاره والمكافحة، صفحة 158.

(9) أحاديث في السلوك الإنساني، صفحة 83.