العمانية
تتواصل في العاصمة الفرنسية حاليًا الفعاليات الثقافية العُمانية المصاحبة لمشاركة السلطنة كضيف خاص في معرض باريس الدولي للكتاب في دورته الـ39.
تضمنت فعاليات اليوم الثاني ندوة حوارية حول /العلاقات العُمانية – الفرنسية بين الأمس والغد/ حاضر فيها كل من معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي أمين عام وزارة الخارجية بمشاركة هيرفي دوشاريت (وزير خارجية أسبق) وجان ماري بوكل رئيس جمعية الصداقة مع دول الخليج في مجلس الشيوخ ورينو سالان سفير فرنسا المعتمد لدى السلطنة والمؤرخ إكزافييه بيغان بيللوكوك ومارك لافيرنيي الباحث في الشؤون العمانية والخليجية .
وألقى معالي السيد أمين عام وزارة الخارجية كلمة استهلها من كلمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم / حفظه الله ورعاه/ إبان افتتاح معرض /عُمان والبحر/ في باريس في العام 2013م جاء فيها ” إنه ليَحدونا الأمل في أن يساعد هذا المعرض على نشر المعرفة وتعميق التلاقي والتفاهم بين الحضارات” معتبرًا معاليه أن من أكثر الوسائل التي أثرت في الثقافة البشرية هي / الكتاب/ .
وقال إنه لمن حسن الطالع أن يتم اللقاء في باريس المدينة التي يتجلى فيها الأدب والكتابة ويتجسد حب القراءة وتداول الكتب التي هي جزء لا يتجزأ من صميم الأنشطة اليومية في حياة الناس واصفًا معاليه المدينة بأنها ” تُولي الفكر اهتمامها وتحترمه وتزدان به وهي مصدر إلهام العديد من عوالم الخيال وروائع الفنون” .
وأضاف ” الرؤية الواسعة والبانورامية لفرنسا في القرن التاسع عشر والتي ظهرت في روايات بلزاك على سبيل المثال ما هي إلا دلالة على الثراء الفكري والإبداع الذي ظل من مكونات المعرفة عن عالمنا الحقيقي بكل كفاحاته وصراعاته وانفعالاته ” .
وأردف معاليه ” هذه المعرفة غالبًا ما تقربنا من حقيقة الوضع الذي نعيش فيه أكثر ممّا يمكن لنا أن نصل إليه من خلال عدسة أفكارنا وخيالنا الخاص ، لقد نجح الكتاب في تجاوز الكثير من التحديات عبر أزمنة متعاقبة من التكنولوجيا البديلة .. يمكننا اليوم متابعة علوم وتجارب وثقافات العالم وتاريخه من خلال مختلف الوسائط الصوتية والمرئية مثل الإذاعة والتلفاز ” مؤكدًا إمكانية الوصول إلى الكتب بالصيغة الرقمية رغم أن الكتاب الورقي الملموس ” يبدو وكأنه يتحدى كل ما يقال عنه من أنه بات قديمًا أو في طريقه إلى الزوال ” .
واعتبر معاليه أن هذه الحيوية وهذا النشاط الذّين يشهدهما معرض باريس للكتاب هو دليل واضح وكافٍ لإظهار هذه الحقيقة ويؤكد أيضًا على الالتزام المستمر من قبل المؤلفين والناشرين وبائعي الكتب وبالطبع القرّاء قائلا إن لكل ثقافة ولغة ومجتمع علاقته الفريدة والخاصة بالكتاب.
وأكد معالي الأمين العام لوزارة الخارجية أن في السلطنة على سبيل المثال احترام كبير لإبداعات الشعراء والأدباء والمؤرخين ” فشعراؤنا ومؤرخونا يؤلفون الكتب وينشرونها لكنهم يشكلون أيضًا عنصرًا رئيسًا من تقليد عريق من التواصل الشفهي ويشاركون في عملية اجتماعية بدأت منذ قرون عديدة تنتقل خلالها قصصن الماضي وصوره من جيل إلى آخر” .
وأشار معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي أمين عام وزارة الخارجية إلى الصلات الثقافية والمعرفية التي تجمع بين السلطنة وفرنسا مبينًا إلى أن تاريخ هذه العلاقات يعود إلى ما يناهز 400 عام أي إلى منتصف القرن السابع عشر موضحًا أنه في القرن الثامن عشر نمت التجارة العمانية / الفرنسية بعد أن أصبحت مسقط ميناءً متعاظم الأهمية بالنسبة للتجارة في منطقة المحيط الهندي مشيرًا إلى أنه في العام 1775 قررت عُمان منح فرنسا حقوق رسميّة لإنشاء مركز تجاري في مسقط ثم منحتها في العام 1786 الحق في تعيين ممثل دبلوماسي.
واستطرد معاليه ” على الرغم من أن فرنسا لم تعين أول قنصل لها في مسقط حتى العام 1894م إلا أن هذه الصلات الأولى شكلت خلفية للخطاب التاريخي الذي بعثه نابليون إلى سلطان عُمان والمؤرخ في يناير 1799 حيث قدم الدعوة إلى عُمان للتجارة بحرية وأمان مع السويس ” .
بعد ذلك أقيمت جلسة عنوانها / كاتب في جبال سلطنة عُمان/ حاضر فيها جان كريستوف روفان الرحالة والكاتب وعضو الأكاديمية الفرنسية والسفير السابق تحدث فيها عن تفاصيل زيارته إلى السلطنة.
ثم قدم المهندس سعيد الصقلاوي رئيس جمعية الكتاب والأدباء محاضرة عنوانها / تنوع الشعر والأدب في عمان وتطوره/ بين فيها أن البدايات الشعرية والأدبية في المجتمع الإنساني كانت أدبًا شفاهيًا وليس أدبًا مكتوبًا سواء كان ذلك شعرًا أم نثرًا وقد مضى وقت طويل حتى ظهرت المحاولات الأولى للكتابة .. وعُمان كمجتمع إنساني قديم نما وتطور الشعر والأدب فيها في هذا السياق ” .
وأضاف الصقلاوي أن هناك مزامنة بين حضارة عُمان وحضارة سومر في بلاد ما بين النهرين كما أشارت إلى ذلك الألواح السومرية وملحمة جلجامش وأن عُمان كانت تصدر النحاس والأحجار وغيرها إلى بلاد الرافدين بدءً من سومر التي أطلقت عليها اسم مجان مرورًا بالأكاديين والأشوريين الذين أطلقوا عليها أسماء أخرى معتبرًا أن ظهور ملحمة جلجامش وغيرها في حضارة بلاد الرافدين ” قد يحيلنا إلى ظهور أنماط شعرية وأساليب تعبيرية وأشكال من القول كان لابد من حضورها في عُمان في ذات الحقبة إلا أن الشعر والأدب المكتوب لاتزال بداياته وحضوره تستدعي مزيدًا من الكشف ويتطلب تكثيف البحث الأنثروبولوجي والآثاري ” .
ومضى يقول إنه تم الإعلان عن اكتشاف ألواح كثيرة أثناء التنقيب الآثاري الذي كانت تقوم به بعثة فرنسية / إيطالية مشتركة في رأس الجنز بولاية صور بمحافظة جنوب الشرقية ورسم على هذه الألواح حروف كتابية عرفت على أنها أبجدية عربية قديمة قدر تاريخها بحوالي ٢٤٠٠ سنة قبل الميلاد مبينًا أنه وجد لهذه الأبجدية مثيل في وادي السحتن بولاية الرستاق بمحافظة جنوب الباطنة وأخرى في محافظة ظفار وهذا يشير إلى مزامنة هذه الأبجدية للأبجديات القديمة في بلاد الرافدين ومصر وغيرها. واعتبر المهندس سعيد الصقلاوي أن محاولة البحث في التاريخ الأدبي ” أمر بالغ الأهمية ” وهو ليس بالأمر الهين ويتطلب جهودا واسعة وأن الانقطاع التاريخي وبالتالي الشعري والأدبي عبر الفترات والعصور المتعاقبة يعد عائقا كبيرا أمام قراءة التطور الثقافي والفكري والأنثروبولوجي .
وأضاف الصقلاوي ” المتوافر بالنسبة للشعر في عُمان ذلك الذي روته وتداولته كتب التراث العربي وهو شعر منسوب إلى مالك بن فهم الأزدي وأولاده ( جذيمة وهناءة وسليمة ) الذين تعاقبوا على ملك عُمان في فترة قبل الإسلام ” موضحًا أن الروايات والتوصيفات والأحداث تختلف حول شخصية مالك وحول وجوده في عُمان فبعضها يعزو هذا الوجود إلى فترة (١٨٠ ق.م) قبل الميلاد وبعضها موغلًا في القدم وبعضها يعزو وجوده إلى بعد انهيار سد مأرب (١٩٦ – ٢٣٠م).
كما ألقت الدكتورة عائشة الدرمكية رئيسة مجلس إدارة النادي الثقافي محاضرة بعنوان / مرتكزات الثقافة وقيم المعرفة في عُمان/ عرفت فيها بما قدمه تيلور للثقافة في كتابه الأنثروبولوجيا بوصفها (تلك الوحدة الكلية المعقدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات وأي قدرات وعادات أخرى يكتسها الإنسان بوصفه عضوا في مجتمع) .
ورأت الدكتورة عائشة أن الثقافة هنا شيء لا يمتلكه الإنسان وإنما تتحدد ضمن مجموعة من المعطيات تظهر في السلوك وقيم فكرية ذات خصائص مميزة تُشكل منها المجتمعات هوياتها الخاصة وأن المجتمع العماني يرتكز في ثقافته على مجموعة من المعطيات ذات الأبعاد الاجتماعية والمعرفية يصنع منها هويته ضمن عالم من الخصائص الفكرية والحضارية من ناحية وتلك المتغيرات الثقافية والعوامل التي تسهم في ترسيخ القيم المعرفية في السلطنة من ناحية أخرى وأن أن الثقافة تكشف عن مسار نقلات تاريخية مهمة في مجالات متعددة سياسية واجتماعية تنظوي على قدر من التعقيد والتداخل .
وبينت أن للثقافة التي أسسها الانسان في عٌمان ركائز خاصة تقوم عليها لذا ” فإن علينا أن لا ننسى أن هذه الثقافة هي مكون خاص من مكون عام هو المكون العربي الإسلامي الذي يتأسس على مجموعة من الخصائص العامة المشتركة ” ولهذا فإن المرجعية الثابتة لهذه الثقافة هي مرجعية تقوم على مستويات معرفية محددة تتناسب مع الأبعاد المعرفية والاجتماعية للمجتمعات العربية عامة.
بعد ذلك قدمت فقرات موسيقية تحت عنوان / أنغام عمانية تجوب العالم/ لعازفة الكمان طاهرة جمال وعازفة البيانو زهراء اللواتية وقدمت الأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية فقرات موسيقية مختتمة بذلك اليوم الثاني للفعاليات الثقافية المصاحبة للحدث.
