نقيق الضفادع 

الكاتب: بدر بن خميس السعيدي

 

يوم كنت أدرس قرأت كتاب الغربال لمخائيل نعيمه، وهو مجموعة مقالات، وشدني عنوان أحد هذه المقالات، وهو (نقيق الضفادع) وقد أبدع فيه، فاقتبست العنوان، بل انتحلته منه، ولا أخفي عليكم أن سبب انتحالي له هو التشابه الكبير بين ضفادعه وضفادعي من حيث النقيق، بيد أني أزعم أن ضفادعي مثقفة، أو تدعي ذلك، كما أن ضفادعي تمتاز بتضخم الذات والإيجو العالي، لذا سيكون التعامل معها صعبا نوعا ما !!!

لست هنا مهاجما شخصية بعينها، ولا مدافعا عنها، ولا أنصب نفسي محاميا للثقافة أو حارسا من حراسها، بيد أن النقيق الحاصل في الساحة الثقافية هو أحد دواعي كتابة هذه المقالة، إن صح وسمها بذلك، وكذلك لفت انتباهي صفات بعض المثقفين المعاصرين، والتي من أهمها الإيجو العالي، وتضخم الذات والنرجسية إن لم يكن أغلب المثقفين يتصفون بها، هذا التضخم في الذات والإيجو العالي وتلكم النرجسية لم تقتصر على المثقف نفسه!، بل تعدته لتتصدر الساحة الثقافية! شئنا أم أبينا فهو واقع لا محالة، وصار بعضهم يكره الثقافة للسبب ذاته، ولأسباب أخرى، أهمها مهاجمة الآخرين والترصد لهم، وعرض العضلات، وكأنهم في معرض كمال الأجسام، حتى أن هذه الصفة أصبحت عنصرا أساسيا عند بعضهم كي يوسم بالمثقف!!

هذه الإيجو صنعت من أولئك المثقفين حراسا للثقافة، فتوهم بعضهم أنه رب الثقافة الأعلى، وما ذلك إلا بسبب تضخم الذات والنظر إلى غيرهم من برج عال، كما أن بعضهم أعطى نفسه أكبر من حجمها الحقيقي! وكأنه يرى ذاته من خلال مرايا محدبة، هؤلاء أنفسهم وقعوا فيما كانوا ينتقدونه على من ينصبون أنفسهم حراسا للدين أيضا, فتجدهم ما أن ينشر أحدهم مقالة أو يصدر كتابا إلا انقضوا عليه بمخالب الهجاء الذي يظنون أنه نقدٌ، فيحطمون مجاديف زورقه، ويتركونه في بحر لا شاطئ له، هذا المشهد دائما ما يتكرر، بل نراه في واقعنا ونسمعه من بعضهم ونقرأه، وبهذا السبب ترك الكثير الكتابة والنشر، خشية الهجاء والنقد الجارح، والتحطيم المقصود، والمنتقم في بعض الأحيان، ومن ثم سيحرم المجتمع من أفكار قد تكون كفيلة بحمله إلى بر الأمان والنهوض به للعلا، ولعل هذا هو أهم دواعي كتابة هذه المقالة، وإن كانت غير مرتبة الأفكار بيد أني أزعم أنها تلامس واقعاً.

أيها المثقف العزيز إن هجاءك وأنت تحتسي القهوة من كوستا وغيرها، فتشخصن المواضيع، وتبدأ بالكاتب وتترك المكتوب، وبالمؤلِف وتترك المؤلَف، وتناقش الأشخاص وتترك الأفكار، فتنهال عليهم بسيل من التهم، وتنفر الآخرين منهم بادعاءات وهمية ترعرعت في مخيلتك، وبأحكام مغلفة ومسبقة، أمرٌ لو أمعنت النظر فيه وحدك ما قبلته، فكيف بغيرك؟…

أيها المثقف قبل أن تقدم على أي نقد، سواء أكان شفهياً أم كتابياً، وتحدث ضجيجاً، عليك أن تراعي أن المنتقد قد يكون مبتدئاً فيحتاج حينها إلى توجيه، ومساندة، واستمراره في الكتابة كفيلة بصقل شخصيته، وقد يكون صاحب رؤى، فتختلف حينها وجهات النظر، فتثري الساحة الثقافية، دون شخصنة المواضيع، ودون مواقف مسبقة، وأنت أدرى – إن كنت مثقفا حقا- أن النقد مفهومه واسع، لا يقتصر على الصح والخطأ ولا الإيجابية والسلبية، فما تراه أنت من زاوية، غيرك يراه من زاوية أخرى، وما تراه أنت إيجابياً غيرك يراه سلبياً، وهكذا..

إن النقد الذي ننتظره منك هو نقد بناء، يساهم في بناء المعرفة، ويثري الساحة الثقافية، فنحن بحاجة إلى نقد يصلح لا يفسد، وفي هذا يذكر أن رساماً رسم صورة ووضعها على الطريق أمام المارة، وكتب على لوحة (ضع نقطة حمراء على المكان الخطأ) ووضع بجنبها قلماً أحمر، فما لبث إلا أن وجد تلكم اللوحة ملطخة باللون الأحمر، فأصابه الإحباط، وأنه لا يجيد الرسم، فشكى أمره لأستاذه فقال له معلمه: أعد رسم الصورة، وضعها بالمكان نفسه واكتب على اللوحة (من رأي منكم خطأ فليصلحه)، فتفاجأ أن الرسمة كما هي لم تتغير، فأخبر أستاذه بذلك فرد عليه: (كثير هم المنتقدون ولكن المصلحين قليل).

أيها المثقف غيّر وجهة النظرة السائدة، فليس الحسد وسوء الظن والكبرياء والتكبر، والتعالي على الآخرين من صفات المثقفين، فكثرة القراءة والاطلاع تزيد من مساحة الإدراك، فلا تجعل ثقافتك سطحية ومحدودة ثم تتعالى بها على الآخرين، وقدم نقداً بناءً يضيف إلى الفكرة ويقويها، أو لازم الصمت، فهو أفضل.

إن ما نلاحظه اليوم في الساحة الثقافية، أمر به عجب، إذ نرى بعض المثقفين يهاجمون أصحابهم لمجرد الاختلاف الشخصي فيما بينهم، فما أن ينشر صاحبهم مقالة أو كتابا إلا انهالوا عليه وبدأوا الهجوم بحجة النقد، والدفاع عن الثقافة، فهي فرصتهم، فيتحول النقد حينئذ تصفية للحسابات وكأن من حولهم لا يعون ذلك!!!.

والأعجب من ذلك، هو التصيّد أو الترصد لأي إصدار، حتى التغريدات لم تسلم من انتقاده وعرض عضلاته.

أيها المثقف راجع نفسك، واكتشف ذاتك، فأنت أخبر بها من غيرك، واركن انفعالاتك بعيداً عن أي نقد تقدمه، فكن حجر بناء لا معول هدم، وابدأ بالكتابة والتنظير وساهم بقلمك وفكرك في علاج القضايا العامة والخاصة…