جيوڤاني پاپيني
ترجمة: فيصل الحضرمي
لم يكن أحدٌ قط يعرف الاسم الحقيقي لذاك الذي كان الجميع يسمونه الجنتلمان المريض. لم يتبق منه بعد اختفاءه غير المتوقع إلا ذكرى ابتسامته، وصورة سيباستيانبو ديل پيومبو متلفعاً بمعطفه، بيد مقفّزة تنسدل كيد شخص نائم. بعض من أحبوه أكثر من غيرهم –كنت أحد هؤلاء القلة- يتذكرون بالمثل بشرته الصفراء الشاحبة الشفافة، خفة خطواته، شبه الأنثوية، وخدر عينيه المعتاد.
كان حقاً حقلاً من الدهشة. كان حضوره يضفي لوناً عجيباً على الأشياء الأكثر بساطةً؛ حين كانت يده تمس غرضاً ما، كان يبدو كما لو أن ذلك الغرض ينتمي إلى عالم الأحلام. لم يسأله أحدٌ عن كنه مرضه، ولا لماذا لم يكن يعتني بنفسه. قضى حياته ماشياً دوماً، دون توقف، نهار مساء. لم يكن أحد يعرف أين يقع منزله، كما لم يعرف أحدٌ له أباً أو أماً أو أشقاء. ظهر ذات يوم في المدينة، وبعد بضع سنوات، ذات يومٍ آخر، اختفى.
عشية ذلك اليوم، في أولى ساعات الصباح، وقد شرعت السماء تنير لتوها، أتى إلى غرفتي ليوقظني. شعرت بتربيتة قفازه على جبيني، ورأيته أمامي، بابتسامةٍ بدت طيف ابتسامة، وعيونٍ أكثر ضياعاً من المعتاد. عرفتُ، من حمرة أجفانه، أنه قضى الليل ساهراً، وأنه، حتماً، كان ينتظر الفجر بلهفة عظيمة، فقد كانت يداه ترتعشان، وبدا أن جسده بأكمله كان نهباً للحمى.
_ ماذا بك؟ -سألته-. أيوجعك مرضك أكثر من بقية الأيام؟
_ مرضي؟ -أجاب-. أتظن، مثل الآخرين، أن بي مرضاً؟ وما هو مرضي يا ترى؟ لم لا يقال أنني مرض؟ لا أملك شيئاً. ولكنني ملك أحدٍ ما، وثمة أحدٌ يملكني!
كنت معتاداً على خطبه الغريبة، لذا لم أجبه. اقترب من سريري ولمس جبيني بقفازه مرة أخرى.
– لا يبدو عليك أي أثر للحمى –تابع كلامه-، أنت بخير وعافية تماماً. أستطيع، إذن، أن أخبرك أمراً ربما كنت تترقب سماعه: أستطيع إخبارك من أكون. أصغ إلي بانتباه، أتوسل إليك، لأنني ربما لن أستطيع تكرار نفس الأشياء، ومن الضروري، على أي حال، أن أقولها مرة واحدة على الأقل.
وبقول هذا تراخى على الأريكة متابعاً كلامه بصوت أعلى:
– لست إنساناً حقيقياً. لست إنساناً كالبقية، إنساناً بعظام وعضلات، إنساناً من صلب البشر. أنا –وأرغب في قولها رغم أنني قد لا أرغب في تصديق نفسي- لست أكثر من صورة حلم. صورةٌ شكسبيرية هي، فيما يتعلق بي، حرفية ودقيقة بطريقة تراجيدية؛ أنا من نفس المادة التي صنعت منها الأحلام! أنا موجود لأن أحداً ما يحلم بي، أحداً ما ينام ويحلم، ويراني وأنا أعمل، وأعيش، وأتحرك. وهو في هذه اللحظة يحلم بأنني أقول كل هذا. عندما يبدأ هذا الأحد بالحلم بي أوجد؛ وعندما يستيقظ أتوقف عن الوجود. أنا نسج خيال، خلق، أحد أطياف تخيلاته الليلية الكبيرة. حلم هذا الأحد كثيفٌ للغاية حد أنه جعلني مرئياً حتى بالنسبة للمستيقظين. ولكن عالم اليقظة ليس عالمي. حياتي الحقيقية هي تلك التي تمضي ببطء في روح خالقي النائم.
“لا تظن أنني أتحدث بالأحاجي، أو متوسلاً الرموز. ما أقوله هو الحقيقة. الحقيقة البسيطة والهائلة.
“أن أكون ممثل حلم ليس هو أكثر ما يعذبني. ثمة شعراء كانوا قد قالوا أن حياة البشر هي ظل حلم، وثمة فلاسفة كانوا قد اقترحوا أن الواقع هلوسة. ولكنني، عوضاً عن ذلك، مشغولٌ بفكرة أخرى. من هو هذا الذي يحلم بي؟ من هو هذا الأحد، هذا الكائن المجهول الذي جعلني أتبدى فجأةً، والذي سيبيدني حين يستفيق؟ كم مرةً فكرت في مالكي النائم هذا، في خالقي هذا! لا بد أن أحلامه مفعمة بالحياة، وعميقة للغاية، لتتمكن من عرض صورها بطريقة تجعلها تبدو كما لو كانت أشياء حقيقية. ربما ليس العالم برمته سوى نتاج تعابر أحلامِ كائناتٍ شبيهة به. ولكن لا أريد أن أعمم. تكفيني طمأنينة أن أكون أنا المخلوق المتخيَل لحالمٍ كبير.
“من يكون؟ هذا هو السؤال الذي يحيرني منذ أن اكتشفتُ المادة التي صُنعت منها. إنك تتفهم الأهمية التي أوليها لهذه المشكلة. مصيري معلق بحلها. يتمتع شخوص الأحلام بحرية واسعة إلى حد كبير، ولذا فإن حياتي لا تتحدد بأصلي وحسب، بل وبإرادتي أيضاً. في البدايات كان يخيفني التفكير أن أتفه الأشياء كافية لإيقاظه، أو بعبارة أخرى، لإفنائي. صرخة، همهمة، كانتا قادرتين على قذفي إلى العدم. كنت أرتعد في كل لحظة من فكرة أن أقوم بشيء يمكن أن يسيء إليه، أو يخيفه، ويستيقظ بالتالي. لقد تخيلت لبعض الوقت أنه كان نوعاً من ربٍ إنجلكاني، فسعيت لأن أحيا أطهر حياة في العالم. وفي لحظة أخرى اعتقدت أنني بداخل حلم رجل حكيم، فقضيت ليالٍ طويلة ساهراً، منكباً على أعداد النجوم، ومقاييس العالم، وتركيب الكائنات.
“أخيراً، شعرت بالتعب والإهانة حين خطر بذهني أنني كنت منذوراً لأن أكون فرجةً لكائن مجهول وغير قابل للإدراك. أدركت أن هذه الحياة الخيالية لم تكن تستحق مثل تلك الوضاعة. تقت بشدة لما كان سابقاً يصيبني بالهلع، أي لأن يستيقظ. حاولت أن أملأ حياتي بأكثر العروض ترويعاً، والتي كان من شأنها أن توقظه. جربت كل شيء لأنعم براحة العدم. قمت بكل شيء كي أوقف هذه الكوميديا الحزينة لحياتي الشكلية، كي أدمر حياة الدويدة السخيفة هذه، والتي تجعلني شبيهاً بالبشر. لم أرتدع عن اقتراف أي جريمة. لم يكن هناك فعلٌ سيء غير مألوف بالنسبة لي، ولم يكن هناك رعبٌ قادر على جعلي أتراجع. يبدو لي أن ذاك الذي يحلم بي لا يخاف مما يجعل الآخرين يرتعدون هلعاً. إما أنه يستمتع برؤية الفظاعات، وإما أنه لا يلقي لها بالاً، ولا يفزع. لم أنجح في إيقاظه إلى اليوم ، وما زلت مجبراً علي جر حياة العبودية هذه، غير الواقعية، والدنيئة.
“من الذي سيحررني من حالمي إذن؟ متى سيطلع الفجر الذي سيستدعيه إلى عمله؟ متى سيقرع الجرس، متى سيصيح الديك، متى سيهدر الصوت الذي سيوقظه لا محالة؟ أنتظر تحرري منذ أمدٍ طويل. أنتظر بأمل كبير نهاية هذا الحلم الذي أنا فيه جزءٌ رتيبٌ للغاية.
إن ما أفعله الآن هو المحاولة الأخيرة. إنني أقول لحالمي بأنني حلم، أريده أن يحلم بأنه يحلم. هذا يحدث للبشر أيضاً، أليس كذلك؟ ألا يحدث أن يستفيقوا ما أن يدركوا أنهم يحلمون؟ لهذا السبب أتيت لرؤيتك ومخاطبتك، متمنياً أن يدرك حالمي في هذه اللحظة أنني لست موجوداً كإنسان حقيقي، فأكف بالتالي عن الوجود، ولو كصورة غير حقيقية. أتعتقد أنني سأنجح في ذلك؟ أتعتقد أنني بتكرار ذلك، وقوله عالياً، سأوقظ مالكي الخفي مذعوراً؟”
بنطقه هذه الكلمات خلع الجنتلمان المريض وارتدى قفاز يده اليسرى. بدا وكأنه يترقب شيئاً عجيباً ومروعاً في أي لحظة.
_أتظن أنني أكذب؟ -قال- لماذا لا أستطيع الاختفاء، لماذا لا أنال حريتي أخيراً؟ لربما كنت جزءاً من حلم لن ينتهي أبداً؟ حلم حالم أبدي؟ عَزِّني قليلاً، اقترح حيلةً ما، مكيدةً ما، احتيالاً ما يمحوني. ألا تأخذك الشفقة على هذا الطيف الضجر؟
ولما كنت قد بقيت صامتاً، فقد نظر إلي وهب واقفاً. بدا لي أطول كثيراً من السابق، ولاحظت أن جلده كان شفافاً إلى حد ما. كان جلياً أنه يعاني كثيراً. كان جسده يختلج مثل حيوانٍ يحاول الانسلال من شبكة. شدّت يده المقفّزة على يدي؛ كانت المرة الأخيرة. خرج من غرفتي مدمدماً شيئاً ما بصوت خافت، ووحده أحدٌ ما من استطاع رؤيته بعدها.
فيصل الحضرمي
2019/3/8
