جمال النوفلي
أحب وزير البيئة والشؤون المناخية، وحبي له ليس نابعًا من كونه صديقًا مثقفًا فحسب، أو أنه يهتم بالقراءة والثقافة والكتب؛ لكني أحبه أولا لأنه يحب الناس والناس أيضا تحبه لخلقه وتواضعه، وثانيًا: لأنه أيضًا يُحب الأشجار، مثلي تمامًا. وتربطه علاقة وجودية بها، خاصة تلك الأشجار المعمرة والقديمة كالغافة والسدرة والسمرة، هذه الأشجار التي نجلها ونكرمها إكرام الوالدين؛ لأنها من عمر آبائنا وأجدادنا وأجداد أجدادنا ومن قبلهم، هذه الأشجار الضاربة بعروقها في رفات الإنسان العماني الأول الذي قطن هذه الأرض المباركة.
قبل نصف عام تقريبا من الان أراد أحدهم أن يقتلع شجرة غاف معمرة من مكانها في شاطئ القرم لأسباب لا أعلمها، ربما لأجل إتاحة مزيد من المساحة الاسفلتية للسيارات، وقد شرعوا في حفر الأرض لاقتلاع الغافة، فثار كثير من الناس الذين اعتادوا على رؤية تلك الغافة كمعلم جميل من معالم شاطئ القرم البهي فاستهجنوا الموقف وكتبوا رسائل ورقية توسلية تركوها معلقة على متن الغافة رجاء أن يتركها المتنفذون وشأنها، ثم انتشرت صورة الغافة المسكينة في وسائل التواصل الاجتماعي ولأول مرة بدأ الناس يشعرون بأن هناك أشجارًا معمرة تُشاركنا هذه الأرض أو نحن من نشاركها الأرض لأنها أقدم وجودا منا، وأن علينا أن نحترمها ونهتم بها.
على العموم وبعد صيحات كثيرة انبرى وزير البيئة وبشكل غير مستغرب منه وأمر بوقف اقتلاع الشجرة، ويا للسعادة التي غمرت الكثيرين ويا لسعادتي.
طبعًا كثير من الناس يتعجبون من هذا التفاعل والاهتمام بهذه الغافة أو تلك السدرة أو تلكم السمرة البعيدة، ولا يعدونها الا أشياء من الجمادات التي وجدت لأجل أن يستهلكها الإنسان ويتلفها، والحق أن هذا الفكر وعلى الرغم من أنه شائع في شعوب الدول الفقيرة والنامية الا إنه فكر خطير ومثير للقلق لأنه يدل على قلة معرفة وهمجية وأنانية مريرة لا يمكن لشخص عارف ومهذب أن يتحملها.
كان في قريتي وبجوار منزل أمي غافة معمرة جدا، جدا إلى الحد الذي لا أحد من أجدادنا يعرف كم كان عمر هذه الغافة فهي موجودة منذ الأزل حالها حال السماء والبحر والصحراء، ومتنها قاس جدا وصلب جدا ومنحن في وسطه انحناءة عجوز جاوزت التسعين، ومجوف من داخله حتى أن الرجل بإمكانه أن يختبئ في داخله فلا يرى. واغصانها طويلة منتشرة وارفة، وكنت أحبها كثيرا لأن فيها طفولتي وتاريخ قريتي كله وأشتاق إليها كلما تباعدت بي السبل. الا ان احد أصدقاء الطفولة قرر توسيع منزله فاجتثها من مكانها وحزنت لأجلها حزنا شديدا مرا.
خلف إحدى المؤسسات الكبيرة في الغبرة وجدت أيضا غافة من الغافات المعمرة يستظل بظلها المدخنون ويصلي تحتها بعض العمال حتى قرر أحد المسؤولين في المؤسسة ان يقتلعها ليسهل عملية المرور، فتوسلت إليه ألا يفعل ذلك ووعدني بأنه سيشذب أغصانها فقط ويتركها لتعيش، إلا أنه أخلف وعده وقتلها بكل برود أعصاب.
عندها قررت أن لا أبكي مرة أخرى على قتل شجرة بل أدافع عنها بكل ما أوتيت من كلمة وأناشد المسؤولين ومديري الجروبات والجمعيات الأهلية واطفال الحارة ورواد المقاهي وعمال النظافة والدنيا أن ينتبهوا إلى هذه الكارثة التي نجنيها على أنفسنا وعلى أجدادنا وذاكرتنا وتاريخنا وعلى حياة مجتمع هؤلاء المعمرين وأقول لهم أرجوكم لا تقتلوا الشجرة.
