الشباب ووقت الفراغ

الكاتب: حسن بن عبد الله العجمي *

كثيرة هي العوامل التي تكون موجبًا لانحراف الشباب، وأعني بانحراف الشباب: تجاوزهم على تعاليم الدّين والتّمرد على القيم والأعراف والعادات الحسنة، فما نشاهده عند بعض الشباب من ارتكابهم للمخالفات الشرعية، وممارستهم للجرائم والذنوب، ورفضهم للقيم والآداب والعادات الحسنة وتمردهم عليها، كل ذلك له أسبابه، حيث تشترك في إحداثه مجموعة من العوامل، بل إنّ العامل الواحد منها قد يكون كافيًا في دفع الشاب إلى الجنوح والانحراف، ومن ذلك وقت الفراغ.

فمما تنبه له علماء الاجتماع أخيرًا واعتبروه مشكلة اجتماعية تحتاج إلى الدّراسة وإلى البحث لها عن حلول هي مشكلة ساعات الفراغ، هذه المشكلة الاجتماعية هي نتاج لعدّة أسباب منها التّقدّم العلمي وما حصل من الطفرة التكنولوجية، فكان لذلك الأثر الكبير في توفير جزء كبير من جهد الإنسان ووقته، فمثلًا كان حصاد بعض المحاصيل الزّراعيّة في السابق يحتاج إلى العشرات من العمّال، وإلى وقت كبير نسبيًّا من الزّمن، بينما لا يحتاج في وقتنا الحاضر إلاّ إلى شخص فنيٍّ واحد يدير آلة تقوم بكل ذلك العمل الذي كان يقوم به ذلك العدد الكبير من العمال، وفي وقت قصير جدًّا، فأصبح العمل الذي كان يحتاج إلى جهد كبير وينجز من قبل جماعة كبيرة من العمّال والأشخاص وفي عدّة أيام، ينجز في عصرنا الحاضر بعدد قليل من العمّال أو الفنيين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد وخلال فترة قصيرة من الزّمن، فقد لا يستغرق إلاّ جزءً يسيرًا من النّهار أو الليل، فنتج عن ذلك وجود من لا يجد عملًا يشغل فيه وقته، فالتّقدم العلمي الحاصل في المجالات المختلفة واختراع آلات وأدوات الإنتاج الحديثة وغير ذلك ما هو إلاّ أحد عوامل حصول هذه المشكلة، وإلاّ فالعوامل والمسببات كثيرة، من عدم توفر فرص العمل، وإحالة الموظفين والعمال المبكرة وغير المبكرة إلى التقاعد، لا سيما في حالة عدم حصول أكثر المتقاعدين على ما يشغلون به ساعات فراغهم، والإجازات المتكررة أو التي يطول وقتها إلى عدّة شهور كما في الإجازات الصيفية التي يحصل عليها الطلاب والمدرّسون، فهذا وغيره مما خلق عند الكثيرين من مختلف طبقات وشرائح المجتمع ومكوناته كبارًا كانوا أم شبابًا، رجالًا أم نساءً وقتًا وساعات من الفراغ.

والمشكلة ليست في وجود وقت فراغ عند الإنسان وإنما في عدم استغلاله والاستفادة منه، فوقت الفراغ إن لم يستغل استغلالًا أمثلًا فهو مشكلة كبيرة وخطيرة لها ارتباط بالكثير من المشاكل التي يعاني النّاس منها في حياتهم، فعادة ما يؤدي الفراغ الكبير من الوقت إلى خلق وإيجاد عادات ذات أثر سلبي على الشاب، فهو يؤدي إلى اللامبالاة واللاجديّة وإلى الخمول والكسل، وارتكاب الجرائم والمخالفات الشرعية، والتمرد على القيم والعادات والأعراف الاجتماعية.

يقول الكاتب «باسكال مينوريه» وهو يتحدّث عن ظاهرة «التفحيط» في مدينة الرّياض: «ويجتذب عالم التفحيط في الرّياض بصورة أساسيّة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و30 سنة، ممن تسرّبوا من المدرسة، أو ممن يبحثون عن عمل» (1).

ويقول أحدهم: «إنَّ العديد من الظواهر السلبية انتشرت في مجتمعنا؛ ومنها: ظاهرة باتت تزعج الكثير من فئات المجتمع خصوصًا كبار السن والمرضى والأطفال والنساء، وهي ظاهرة التفحيط، التي تعدُّ من أخطر الظواهر حاليًا.

ومن أسباب ودوافع ظاهرة التفحيط: حب الظهور، والشهرة، والفراغ، وتقليد ومحاكاة رفقة السوء، والتنافس، واستعراض إمكانيات القيادة والمركبة، وضعف رقابة الأسرة على أبنائهم، فضلًا عن تأثير وسائل الإعلام من خلال ما تعرضه بعض البرامج التي تشجع على ممارسة التفحيط والقيادة بشكل جنوني، وكذلك التأثر بالألعاب الإلكترونية خصوصًا بين الأطفال» (2).

فلاحظوا كيف أنّ وجود وقت من الفراغ عند الشباب أفضى إلى أن يهدروا ساعات فراغهم فيما يلحق بهم وبغيرهم الضرر، كممارسة التفحيط، هذه الظاهرة السيئة التي أودت في كل الأماكن التي تمارس فيها بحياة العديد من الأشخاص من الممارسين لها أو غيرهم من الحضور والمشاهدين.

فالشباب عندما يكون لديهم متسع من الوقت، ولا يجدون عملًا نافعًا يمارسونه فيه، فإنّهم يفكرون في القيام بأي عمل حتّى وإنْ كان غير مفيد وكانت آثاره سلبيّة، وأمّا الشباب الذين يقضون ساعات وقتهم في العمل والقيام بما هو مفيد ونافع لا يكون للفراغ مساحة في حياتهم، وبالتالي تتقلّص إلى حدٍّ كبير فرصة تعرضهم لأيّ نوع من أنواع الانحراف.

إنّ تضييع الشباب لأوقاتهم ناتج عن تقصير المؤسسات التربوية في القيام بدورها التوجيهي والإرشادي  للشباب وتوعيتهم لاستثمار وقت الفراغ لديهم في النّافع من الأعمال، فالأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية التوجيهية كالمساجد وغيرها لها الدور الكبير في إرشاد الشباب إلى الاستفادة المثلى من أوقات الفراغ لديهم، وذلك بتوجيههم لقضائه في الأنشطة النافعة والبناءة التي تصقل شخصيتهم وتنمي قدراتهم ومواهبهم، والتي تعود عليهم وعلى مجتمعهم وأمتهم بالنفع، ومن ذلك الاشتراك في مشروعات الخدمات العامة والتطوع في أعمال الخير والبر والإحسان، والتعلّم لكسب المزيد من العلوم والمعارف وغير ذلك مما هو نافع ومفيد.

فتقصير هذه المؤسسات في القيام بدورها هذا وعدم وجود من يوجه الشباب يفضي إلى الكثير من السلبيات ومنها خلق جيل من الشباب الجانحين المنحرفين.

والمسؤولية الأهم والأكبر تقع – من بين المؤسسات التربويّة والتوجيهية – على الأسرة، فالأب والأم هما المسؤولان بالدرجة الأولى عن توجيه أولادهم إلى الاهتمام بوقت فراغهم وقضائه في النافع من الأعمال، وعدم تضييعه في توافه الأمور وما لا نفع فيه ولا فائدة وما يعود عليهم بالضرر، ويكون دور باقي المؤسسات التربويّة مكمّلًا لدور الأسرة ومساعدًا له.

وهذا الدور التوجيهي من الأسرة هو من مسؤولياتها التربوية المهمة، إلاّ أنّ بعض الأسر وللأسف الشديد تقصر في القيام بهذه المسؤولية، إمّا لجهل من الوالدين بأهمية هذا النوع من التوجيه، أو لتخليها عن مسؤوليتها التربوية برمتها، أو لعدم وجود الوقت الكافي عند الوالدين للقيام بدورهما التربوي على أكمل وجه، أو لغيرها من الأسباب كفقد الطفل لوالديه حيث لا يجد اليتيم الموجه والمربي له، لا سيما مع تقصير بقية المؤسسات في القيام بهذا الدور.. فأيَّ تقصير من الوالدين في تربية أبنائهما يضعهما أمام مسؤولية شرعيّة وقانونيّة واجتماعية وأخلاقية، وسيندمان في حالة ما إذا انحرف الأبناء في وقت قد لا ينفعهما النّدم.. وكثيرًا ما نسمع تذمّر بعض الآباء والأمهات من تمرّد وانحراف أبنائهم مع أنّهم قد يكونون هم السبب الأوّل في ذلك التمرّد والانحراف.

________________________

(1) الشباب العرب من المغرب إلى اليمن، أوقات الفراغ، الثقافات والسياسات، صفحة 31.

(2) جريدة الرؤية الإلكترونية، الثلاثاء 6/10/2015م، مقال بعنوان: «التفحيط خطر محدق بأرواح الشباب.. والحل في التوعية وتغليظ العقوبات».

 

*كاتب متخصص في القضايا الإسلامية