بقلم: Jason Beaubien
ترجمة : فاطمة بنت ناصر
مقدمة خارج الترجمة
نعيش في هذه الأيام حالة من القلق بسبب ما انتشر حول موضوع تواجد بعوضه الزاعجة المصرية التي تحمل اسما علمياً هو Aedes aegypti. وأثناء بحثي للتعرف أكثر عن هذه البعوضة ، وجدت هذا المقال الذي يجمع بين عرض المعلومة العلمية والخلفية التاريخية لهذه البعوضة. والأمر لا يتعلق بالبعوضة وحدها بل بنمط عيشنا الذي يساهم أحياناً في إلحاق الضرر بنا كما سنرى في القادم.
اسمها Aedes aegypti وهي صديقة وفية وفاء الكلاب للبشر منذ القدم. نعم منذ القدم. فهي على أقل تقدير عاشرتنا ما يقارب ٥٠٠٠سنة، وتحديداً منذ أن بدأنا بتخزين المياه بالقرب من منازلنا. وهذه هي الأماكن التي تفضل التكاثر فيها. هذه العلاقة القديمة جعلتها تتكيف مع البشر بشكل كبير. ( هذا ما يقوله مارتن ادواردس Marten Edwards عالم الحشرات في كلية Muhlenberg بالولايات المتحدة الأمريكية).
وهي ليست كباقي البعوض الذي يكتفي باللدغ ونقل الأمراض على نطاق محدودK ولكنها على العكس ناقلة ممتازة وسريعة للأمراض. أحدث هذه الأمراض ( زيكا) الذي تمكنت هذه البعوضة من نشره بنجاح وفاعلية في أجزاء كبيرة من أمريكا اللاتينية وجزر الكايربي. وأقدم أمراضها ( الحمى الصفراء) التي تسمت بها البعوضة قديماً حيث كان يطلق عليها اسم ( البعوضة الصفراء). وهي ناقلة كذلك لحمى الضنك أو ما يعرف ب dengue و مرض الشيكونغونيا chikungunya.
وقد ساهم الإعلام في تعريفنا بهذه البعوضة مؤخراً خاصة بعد انتشار مرض زيكا الذي قامت هذه البعوضة بنقله. ولكن كعادة الإعلام لا يكتفي بنقل صورة واقعية عنه بل نقله بتهويل و إثارة ، الأمر الذي نشر الرعب من هذه البعوضة. كهذه الجملة التي نشرتها أحد القنوات الإعلامية : ” إنها كقذيفة حرارية في نقلها للمرض”. والحقيقة أن هذه الحشرة الصغيرة لن تقوم بتفجير أي شي، ولكنها بارعة في مهمة نقلها للفيروسات من شخص إلى آخر.
ويقول مارتن بأن الأمر ليس بالسطحية التي يتم تداولها بأن هذه البعوضة تمتص الفيروس من جسد مصاب ثم تقوم بنقله إلى شخص آخر.
ما يجعل هذه البعوضة مختلفة عن بقية أقرانها يتمثل في الآتي:
أولا: بأنها ليست كباقي البعوض فتركيبة جسدها حاضن ممتاز لتكاثر فيروس زيكا وهذا الأمر لا يحصل في أجساد غيرها من البعوض.
ثانياً: إنها لا تكتفي كباقي البعوض بأن تمتص الدم من جسد واحد لتتكاثر بعد ذلك وتضع بيضها. فهذه البعوضة لا تكتفي بجرعة مشبعة من الدم من جسد شخص واحد، وإنما تقوم بأخذ عدة رشفات من الدم من كل جسد تلدغه لهذا تسمى ( البعوضة المرتشفة- sip feeder ) ، وهذا ما يجعلها تنقل الفيروس الواحد لأجساد عديدة تمر بها خلال فترة حياتها التي تتراوح بين ٢-٤ أسابيع. فليس من الغريب إذن انتشار فيروس زيكا كالنار في الهشيم خلال فترة بسيطة.
مناطق تواجدها:
تتواجد هذه البعوضة بشكل رئيسي في المناطق المدارية، ولكن مناطق تواجدها اليوم لم يعد كالسابق، بل اتسع ليشمل جنوب الولايات المتحدة وشمال الأرجنتين. ولكنها أكثر تواجدًا وتكاثراً في مناطق الجنوب الأفريقي و الهند وجنوب آسيا حيث تزداد معدلات الحرارة والرطوبة.
ليست كباقي البعوض:
تقول أودري لنهارت Audrey Lenhart – عالمة حشرات في مراكز السيطرة والوقاية من الأمراض في مدينة أتلانتا و والتي تعمل حالياً ضمن فريق السيطرة على فيروس زيكا بأن ما يميز هذه البعوضة الآتي :
أولاً : بأنها بعوضة حضرية تحب المدن، فهي تتكاثر بالقرب من المناطق السكانية، و خاصة في أماكن رمي النفايات والمخلفات الحضرية كالإطارات التي تشكل أماكن ممتازة لها بسبب وجود الماء الذي يعلق بها لفترات طويلة. أما معظم أنواع البعوض الأخرى فهي تتكاثر في المستنقعات البعيدة عن المواقع السكنية وتفضل التغذي على دماء الحيوانات.
ثانياً: نشاطها ليس ليلي وإنما تنشط في النهار على عكس غالبية أنواع البعوض الذي يفضل اللدغ في الليل ذلك البعوض الناقل لفيروس الملايا الذي ينشط في الليل.
التكيف مع البشر
تقول عالمة الحشرات ريبيكا كادينج Rebekah Kading من جامعةولاية كولورادو بأن هذه البعوضة كونت مع مرور السنين التي عايشتها مع البشر عدد من طرق التكيف التي جعلت أمر السيطرة على تكاثرها صعباً أهمها :
١- تتعذى على دماء البشر فقط. على عكس معظم البعوض الذي يتغذى على ما يتوفر من دماء الحيوانات أو البشر.
٢- لا تطير لمسافات بعيدة ولكنها تبقى تنشر المرض بشكل مركز في منطقة واحدة فيتفشى بسرعة.
٣- مسافة طيرانها لا تتعدى ربع ميل أي ما يعادل ٠.٤ كيلومتر
كيف نتخلص من صداقة هذه البعوضة المزعجة ؟:
خطوات التخلص من هذه البعوضة له فوائد أخرى غير الحد من تكاثرها بيننا، فهو سوف يجعل محيطنا صحي و أكثر نظافة. فأهم خطوات الحد منها هو التأكد من خلو المناطق السكنية من المخلفات، خاصة تلك التي تساعد على تجمع المياه فيها كالبراميل المهجورة والإطارات و علب الطلاء ومواد البناء، بل حتى علب المياه وإن كانت فارغة تعتبر مكانا مناسباً لتضع فيه بيضها الذي يمكنه البقاء دون ماء لأشهر.
القضاء عليها نهائياً يعتبر أمر صعباً فقد عاشرت البشر وتكيفت معهم لأكثر من ٥٠٠٠ عام.
خاتمة خارج الترجمة
إن نظرنا إليها من منظور آخر فهذه البعوضة تحب مصلحتنا لتكون مناطقنا السكنية أكثر نظافة ولا تحتوي ما يساعد على تكاثر الحشرات الناقلة للأمراض بين البشر. فنشاط البنيان الحالي وكثرة مواد البناء المهملة و زيادة أماكن ردم مخلفات السيارات من إطارات وغيرها والإستخدام الكبير لعلب المياه واهمال التخلص منها بطريقه صحيحة يساعد على تكاثرها ولقاءها بجوارنا. فليس بالغريب إذن أن معرفتنا بها استمرت أكثر من ٥٠٠٠ عام فوجودها بيننا نحن من رحبنا به وزودناه بمقومات الاستمرار والبقاء.
رابط المقال الأصلي
