الكاتب: بدر بن سالم العبري
لمّا رجعنا النّزل كما رأينا في الحلقة الماضيّة، والسّاعة الحادية عشرة أخذني النّوم بسرعة إلا أنني استيقظت الثّالثة فجرا لكي أعمل دبلجة بسيطة في هاتفي لتسجيل حلقة الزّرادشتيّة مع الزّرادشتي هوشدار، حيث أستخدم برنامج KineMaster ثمّ أرفعها إلى اليوتيوب، وأقوم بنشره في وسائل التّواصل لتعمّ الفائدة لمحبي المعرفة والثّقافة واكتشاف الآخر.
وممّا ساعدني على النّشاط وجود القهوة الأمريكيّة في النّزل لمدة أربع وعشرين ساعة، وكنتُ قبل فترة لا أستسيغ شربها، مع أنّها أخف من القهوة التّركيّة أو المغربيّة التّقليديّة، ومع هذا لمّا ابتعدت عن الاكثار من القهوة العمانيّة حيث سببت لي بعض الضّغط رأيتُ في القهوة السّعوديّة والكويتيّة خير بديل؛ لأنّها خفيفة فأصبحت لي عادة أن اشتري منها لمدّة عام، إلا أنّها لا تنشط الذّهن، وفي الوقت نفسه لا يضرّ كثرتها، ومع هذا وجدت القهوة الأمريكيّة منشطة للذّهن وليست ثقيلة كالتّركيّة، ويكفي أن تشرب منها قليلا.
المهم استطعت أن أنهي الدّبلجة والرّفع والنّشر مبكرا، وفي بداية صباح الأربعاء الرّابع عشر من أغسطس ذهبنا إلى منطقة مينوموني في شيكاغو، وهي منطقة في قمّة الجمال والنّظافة والنّظام والإبداع الإنسانيّ، البيوت في أشكال هندسيّة رائعة، وطرق المشاة نظيفة ومرتبة ومشجرة، والكلّ يسير في نظام بديع، حتى الأطفال وهم يذهبون إلى المدرسة، فلا تسمع صراخا، فسبحان من أبدع العقول لتفلسف الحياة نظاما وإبداعا.
وأصل هذه المنطقة يقطنها اليابانيون كما أخبرنا، ولمّا قامت الحرب العالميّة الثّانية 1939م تمّ تهجيرهم والزّج بالعديد منهم في المنافي والسّجون، وأمّا الآن فهي خليط من أجناس متنوعة.
ذهبنا بداية إلى مطعم SUBWAY، وهو مطعم أمريكيّ للوجبات السّريعة تأسس عام 1965م على يدي فريد ديلوكا وزميله بيتر بوك، ويحمل نفس الفكرة في العالم أجمع، ثمّ ذهبنا إلى معبد ميدوست، في الموعد المحدد، وهنا التقينا بالرّاهب جيسي زفالا، وهو قائم بالمعبد وتنظيفه وإدارته، وفي البداية لما أخبرناه برغبتنا في تسجيل حلقة يوتيوبيّة معه قال لكم عشرون دقيقة لأنّي مرتبط بتنظيف المعبد، وقبلها أنزلنا إلى الأسفل ليرينا بعض الصّور من عيد الأرز والرّقص على الأموات، ثمّ ذهبنا إلى مكان الصّلاة ودخلنا بالحذاء وتوجد كراسي، وقال هذا من التّأثر بالحضارة الغربيّة؛ لأنّ الأصل عدم الدّخول بالحذاء، وكذا الجلوس على الأرض، ويوجد في مكان المعبد محراب مرتفع فيه تمثال بوذا، وبمقدمته آنية فيها بعض التّراب، فأمرنا أن نسجل الحلقة في المحراب المرتفع والقريب من التّمثال.
وكانت الحلقة رقم سبعة وعشرين، وبثت في السّادس عشر من أغسطس، وبيّن في البداية أنّ البوذيّة نشأت في الهند قبل ألفين وستمائة سنة، حيث نشأت على سيدهارتا بوذا، وكان صاحب سلطة وغنى، فترك ذلك واهتمّ بالأمور البشريّة، وانتشرت هذه الدّيانة في كوريا واليابان والصّين، وهي تنتشر في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وعددهم كثير جدّا، فالصّين منتشرة فيها البوذيّة بقوّة رغم الاضطهادات.
وبين أنّ البوذيّة منبثقة من الهندوسيّة، وجاء بوذا لإصلاح الهندوسيّة، لذا أنكر من البداية تعدد الآلهة، وأنكر فلسفة أنّ الآلهة تتحكم في تصرفات الإنسان، فالإنسان هو من يتحكّم في نفسه، وهو مسؤول عن تصرفاته، وبوذا إنسان طبيعيّ ليس نبيا، فهو إنسان ترك السّلطة والمال، واختلى بتربية نفسه حتى وصل إلى درجة كبيرة من الكمال الإنسانيّ، وقد تخلّص من الكراهيّة والأنانيّة والحقد، وأصبح قلبه مليئا بالحبّ للآخر، وبالأخلاق الفاضة، فالبوذيّة هي تربية للنّفس الإنسانيّة، والنّفس طبيعتها الخطيئة وليس الكمال لذا نحن نحاول تقيلد بوذا في الارتقاء بهذه النّفس البشريّة، وشيئا فشيئا ترتفع إلى درجة الكمال.
كذلك بيّن أنّ بوذا لم يأت بكتاب كالتّوراة والإنجيل والقرآن، فالبوذيّة عبارة عن قوانين يتخلّق بها الإنسان وليس عبارة عن كتاب ما، والجواهر الثّلاثة في البوذيّة: الجوهر الأول بوذا ويسمونه أيضا الأرض المقدّسة أو الأرض الطّيبة، وهذه الأرض الطّيبة لا تبدأ بعد الموت وإنّما من الحياه، فهنا البوذيّ يحاول أن يتخلّق بالصّفات الحسنة كالتّواضع والحبّ والمعاملة الحسنة، والبعد عن الصّفات السّلبيّة كالكبر والغرور، والجوهر الثّاني الدّاراما أي القوانين الّتي جاء بها بوذا لتنظيم المجتمع، وهذه القوانين كتبت بعد وفاته بثلاثمائة سنة عن طريق القصة كتبها الرّواة، والّتي وصلت إلى أربعة وثمانين قصة، لهذا البعض يرفض العديد من هذه القصص، فمثلا مذهبهم الجديد جديد لا يقرّ إلا بثلاث قصص فقط، والجوهر الثّالث السّانغا أي المجتمع البوذيّ، ويرون الرّهبنة ليست مخصوصة في أشخاص معينين؛ فمن حق أي بوذي أن يكون راهبا من خلال التّخلق بأخلاق وتعاليم بوذا.
ثمّ تحدّث عن اليوجا، والأصل هي شعيرة دينيّة عبارة عن دعاء لمدة ساعة أو ساعتين، والآن أصبحت رياضة يمارسها البعض، وهم يركزون على الدّعاء في كلّ ساعة ووقت، خصوصا عند الطّعام والنّوم مثلا، ومع هذا يأتون إلى المعبد أحيانا ويقرأون القصص الثّلاثة ممّا صح نسبته إلى بوذا، وفي مذهبهم يقرأونها باليابانيّة، وأحيانا يصاحبها بعض الحركة كالانحناء.
أمّا الصّيام فالإنسان عندما يموت يصوم أهله تسعا وأربعين يوما، إلا أنّ هذا التّقليد حاليا شبه اختفى، ومع هذا الصّيام عندهم عن اللّحوم، ومن أراد أن يصم فليصم بنفسه، ولا يذكر ذلك لأحد.
وفكرة الآلهة غير حاضرة في البوذيّة، فبوذا هو أعظم شخصيّة في الوجود، فقد وصل إلى درجة الكمال الإنسانيّ، الدّار الآخرة أيضا غير حاضرة في فكرهم، فهم يعتقدون بفكرة التّناسخ.
ثم أوضح أنّ البوذيين يعتمدون كثيرا على السّماع أكثر من الحديث، وينقسمون إلى قسمين: التّيرافادا أو العربة الصّغيرة يعني الكهنة الّذين يعذّبون أنفسهم، ويجسّدون بوذا الّذي نام على مسامير، وعلّق من الأعلى، وامتنع عن الأكل حتى ضعف ونحل جسمه، وهؤلاء الرّهبان يحلقون رؤوسهم ولا يتزوجون ويعذّبون أنفسهم، والقسم الثّاني الماهايانا أو العربة الكبيرة فهم الّذين يطبقون تعاليم بوذا، ويستمعون إليها، ويتمثلون بها.
والبوذيون لا يؤمنون بكتاب الجيتا عند الهندوس، ولكن يمكن الاستفادة من بعض الحكم فيه، ويمكن أن ينتقد أيضا، ويؤمنون بوحدة الوجود أي أنّ الذّات البشريّة واحدة، فهي جوهرة واحدة أي بوذا، ولهذا لمّا يموت يعود إلى الحياة من جديد، ويحرقون الأموات لأنّ هؤلاء الأشخاص لن يذكروا بعد وفاتهم إلا في المعابد باستثناء المشاهير، فروحه لم تمت في الحقيقة وإنّما تنتقل إلى شخص آخر.
وبعد هذا تحدث عن عيد الأرز، وبيّن أنّه ليس طقسا دينيّا في حقيقته، وإنّما هو اعتراف بنعمة الأرز، وأنّه سبب لحياة العديد من البشر، يحتفلون به في ديسمبر من كلّ عام، ويصنعون من الأرز كعكا يدخرونه إلى اليوم المحتفى فيه، فيأكلونه مع الأصدقاء والأهل، وأمّا عيد الرّقص فيرقصون مع الأموات لاعتقادهم بموت الإنسان يرجع إلى تكوينه الأول في وحدة الوجود أي بوذا.
وقبل الأخير كان الحديث حول المذهب اليابانيّ البوذيّ الجديد الّذي أسسه يابانيّ اسمه شن رن يوشن، وهذا الرّجل كان قبل ثمانمائة سنة عاديّا، نزل من الجبال، ونقد بعض القضايا في البوذيّة التّقليديّة كرؤيتهم بعدم طهارة المرأة، ولا يمكن أن تكون راهبة، وكذا الصّياد الّذي يصيد الحيوانات فلا يعطونه حق الرّهبنة، وأيضا الصّياد الّذي يصيد السّمك لأنّهم يرونه غير نباتي، فقام بنقض مثل هذه الأمور ليفتح الرّهبنة لأكبر عدد من النّاس، ولهم حاليا حوالي خمسة وثلاثون معبدا في العالم خصوصا في اليابان، وفي أمريكا لهم ما يقارب ثلاثة وأرعين معبدا.
وأخيرا بيّن أنّ البوذيّة ليست دعوة تبشيريّة في الأصل، ويرحبون بالانضمام إليهم، وشعار البوذيّة دائرة تنقسم إلى ثمانية أقسام وهي عبارة عن القوانين الّتي يسير عليها النّاس، من صفات حسنة كالفهم والدّعاء والحياة وهكذا.
والأصل نأخذ من عنده عشرين دقيقة فأخذنا أكثر من ساعة لأنّه كان يسهب في الحديث، وبعد زيارتنا للمعبد توجهنا إلى مطعم نباتيّ، ولهم مأكولات نباتيّة تشبه اللّحم، والمطاعم النّباتيّة في أمريكا مزدحمة، ولها إقبال كبير، وقبل الغداء وبعده اتجهنا إلى معبد إيسكان للفيدس (الهندوسيّة) كما سنرى في الحلقة القادمة.
