” سكين إبراهيم وسؤال أدونيس “

الكاتب: محمد رضا اللواتي

 

ذات يوم، تساءل “أدونيس” :

لو أراد الله أن يرسل نبياً جديدا لهذا العصر فمن سيختار؟، ولو قمنا نحن بإيصال سؤاله على مسامع الشيخ الرئيس “ابن سينا” عبر كسر حاجز الزمن كما يفعل “الرجل البرق” وطالبناه بالإجابة عنه لرد يقول: بأن الاختيار سيقع على من تمخرت الاستعدادات فيه لبلوغ ذروة النمو الروحي بحيث يتجاوز أفق عالم المادة نحو المنظر الأعلى والمكوث في جوار الرب.

وإذا سألناه: أليس للرب أن يختار شخصا ما من الأسواق أو المتنزهات أو بيوت الفقراء أو ربما من السياح ويضع الوحي في عنقه قلادة النبوة؟ لقهقه الرئيس ضاحكا ولأسمعنا مقولته الشهيرة : “ما جعل الله المشمش مشمشا وإنما خلقه مشمشا”!

مهما كان من الأمر، إلا أن ثمة حقيقة كرر الكتاب المجيد الإشارة إليها وهي السير التطوري لحركة الأنبياء من منازل السير والسلوك باصطلاح المتصوفة إلى أشد الدرجات قدرة في سُلم الوجود.

وليكن “إبراهيم النبي” أنموذجا نستعرضه لشدة ذكر الأديان السماوية كلها له وبنحو فريد حقا.

فلقد جاء ذكره في “العهد القديم” 175 مرة بصيغة “أفراهام”، و “61” مرة بصيغة “أفرام”، واحتلت سيرته في “سفر التكوين” مكانا واسعا. فقد وصفه “العهد القديم” “بخليل الله”، و”المتكلم مع الله”، و”مع الله”، و “عبدالله” و “التابع لله”، و”الكامل”، بينما جاء اسمه في “العهد الجديد” “75” مرة في الأناجيل الأربعة ورسائل القديسين، وقد وصفته بعدة أوصاف منها “خليل الله” و “في ملكوت الله” و “عهد الله”.

أما في الكتاب المجيد فقد جاء ذكره “69” مرة (أكبر رقم بعد النبي موسى) في 200 آية موزعة على “25” سورة، وقد وُصف “بخليل الله” (النساء 125) –هذه الصفة تكررت في كل الكتب السماوية- و”المتوجه إلى الله” (الانعام 79) و”الذاهب إلى الله” (الصافات 99)، و “أمة” (120 النحل) . (1)

ولو تأملنا بدقة فيما مرت من الإشادات لوجدنا أن هذه الكتب المقدسة قد أوجدت بينه وبين الربوبية صلة وثيقة للغاية أشدها على الاطلاق الصفة التي تكررت فيها كلها وهي “الخلة” مع الاله والتي تعني الصداقة معه. ومن الوضوح بمكان أن هذه الدرجات، إذا مُنحت من قبل الربوبية، فلن تكون اعتبارية أو شاعرية بل حقيقية تحوي تحتها محتواها بكل ما عبرت عنها الكلمة من معنى.

عندما نتأمل اسمه الذي تطورعن “أبرامو” بلغة البابليين والآشوريين (2) إلى “أفرام”، نجد أن هذا الأخير يتألف من مقطعين هما “أف” والتي تعني “السيد”، و “رام” ومعناه “ارتفع وكبر وسما” (المصدر الأسبق)، ويذهب بعض اللغويين إلى أن اسمه بالعربية أيضا يتألف من مقطعين الاول “أب” و الاخر “رهيم” بمعنى “رحيم”، واحتمل آخرون أن يكون معناه “البريء من غير الله”، و “الابره بمعنى صاحب العجائب” أو “أب الجماعات” . (3)

إشادة الكتاب المجيد به على عدة مستويات، حتى قيل أن القرآن لم يفصل في نعوت أحد من الأنبياء والرسل كما فصل في نعوته وكراماته  منها:

1.الأدوار الثقافية الكبرى التي قام بها، فقد ذكر محاججته مع قومه التي انطلق منها حول تصوراتهم عن الألوهية المادية، مفندا إياها تارة بضعف وجودها وبحدودها الزمانية، وأخرى بزج عامل حب الانسان لللانهائي والأبدي (قال لا أحب الآفلين. الانعام 76)، بل هادما لمعبوداتهم وأصنامهم بيديه (الأنبياء 58)، ومحاججته مع ملك زمانه مفندا لدعوى ربوبيته بتحديه بأن يأتي بالشمس من المغرب (البقرة 285).

2.ما قام به تثبيت نطاق الدين من خلال ما عهد إليه وولده “إسماعيل” من بناء البيت العتيق (البقرة 127)، و جعل مقامه الذي وقف فيه يرفع قواعد الكعبة مصلاة للناس (ال عمران 97)، وفي الواقع فإن أعمال الحج ليست إلا تمثيلا عما جرى له ولأهل بيته وقاموا به، هذا عندما أسكن زوجته وولده بواد غير ذي زرع. أضف إلى هذا، الامر باتباع ملته (النساء 125)، وأن ملته هي الصراط المستقيم والدين الحنيف (الانعام 161)، واستجابة الرب لدعائه في “أم القرى” (البقرة 126)، وجعل له لسان صدق في الآخرين، ووصاياه لبنيه على المضي أبدا على خط تعقب الألوهية ومساراتها التاريخية والتشريعية (البقرة 133)، إذ أن سائر أنبياء بني إسرائيل من ولده “إسحاق” بينما نبي الاسلام محمد “ص” من أبناء ولده إسماعيل، وهكذا فتنتهي سائر الأديان التوحيدية إليه. (4)

3.والذي يهمنا هنا هو:

مسيرته التطورية الروحية وسيره التكاملي من منزلة إلى أخرى، كما أوضحتها الآيات التالية:

أ‌-فقد كان الرب قد أتاه رشده من قبل “ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل” .(5)

ب‌-وقع عليه الاصطفاء منه “ولقد إصطفيناه في الدنيا” .(6)

ت‌-وبلغ بسعيه الروحي درجة شهد بها ما وراء عالم الطبيعة “وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض” .(7)

ث‌- ثم أضحى مجالا ومجرى لعبور فيض الاحياء من الوجود الإطلاقي إلى العالم من خلاله “وإذ قال ابراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا” (8). إذن “منحة الإحياء” مرت من خلاله عندما دعا الطيور المقطعة الأوصال لتعود تلتئم أوصالها مجددا.

ج‌-وأخيرا تسنمه لهرم الدرجات وانتهاء حاله إلى إمامة البشر :”قال إني جاعلك للناس إماما” (9) والتي فرح بها فرحا شديدا إلى درجة أن تمناها في عقبه وأجيب بالايجاب بشرط عدم الظلم.

يبدو أن هرم الدرجات قد بلغها بعد تجاوزه لامتحان “ذبح الولد”.

لقد سعى لأن يكون الأوحد الذي عُهد إليه بذبح ولده على مذبح العشق الإلهي.

نال هذا الموقف تمجيد وتخليد جميع الكتب المقدسة كلها لا سيما القرآن ، وفي الواقع فإن ذبح الولد كان يمثل ذبحا لكل عاطفة مهما كانت حقيقية وصادقة والتي قد تقف حائلا دون الاندكاك بالإرادة الالهية وتمثل موقفها على مستوى الذات والوجدان.

لم يقع الذبح حقا، فقد شاءت الارادة الأزلية أن يكون “قتيل الله” غير ولده، إذ أضحى مذبح العشق الالهي شاغرا لفرد آخر ليملأه مستقبلا، إلا أن “إبراهيم” نجح أيما نجاح في سعيه، وبلغ بإرادته من الفردية إلى الكونية، وأطلق ليديه العنان من قيد الزمان والمكان إلى صوب المنظر الأعلى والأفق المبين، فأضحى ألقا في مسيرة البشرية اللانهائية نحو اللامحدود.

“سكين إبراهيم النبي” بات اليوم رمزا للإرادة التي لا مجال لها أن تتقهقر مهما كانت الأحوال.

هذا “الرمز” يلوح في سائر الشعائر التي يمارسها المسلمون في أيام التشريق بالواد الذي كان بغير زرع عندما بلغه لأول مرة.

والسؤال هو: هل بالإمكان الاجابة عن سؤال “أدونيس” بالقول أن الاختيار سيقع على من يستطيع أن يمسك بسكين النبي إبراهيم بذات الشدة التي كان قد قبضها هو به؟

هذه الإجابة، نحسب أنها سترضى الشيخ الرئيس كذلك.

 

المصادر:

1-الفتلاوي، ستار: النبي إبراهيم . مجلة المصباح

2- سوسة، أحمد: العرب واليهود ص116

3-الفتلاوي، ستار: النبي إبراهيم . مصدر سابق

4- الطباطبائي ، محمد حسين: الميزان ج7 ص218

5- الأنبياء 51

6- البقرة 130

7- الانعام 75

8- البقرة 260

9-البقرة 124