الغناء والمعازف بين الحلّ والتّحريم (الحلقة الحادية والثّلاثون) فلسفة الجمال في الغناء والمعازف ما بعد العصر النّبويّ

 

 

 

بقلم: بدر بن سالم العبري

 

            حددنا سلفا هذه الفترة من بداية خلافة أبي بكر [ت 13هـ] وحتى العصر الحديث، ويدخل فيها كما أسلفنا ما يسمى بالخلافة الرّاشدة فالأمويّة والعباسيّة وما بعدها، والّذي يهمنا هنا البعد الفلسفيّ الجماليّ؛ لأنّ الجانب التّأريخيّ سبق الحديث عنه، وقد تأثرت هذه الفترة بمرحلتين مهمتين: المرحلة الأولى مرحلة التّمدد الجغرافيّ لهذه الدّول تحت مسميين [الخلافة – الفتوحات][1]، والمرحلة الثّانية الانفتاح الحضاريّ وانتشار التّرجمة من لغات الأمم الأخرى إلى العربيّة، وتشجيع الخلفاء على ذلك، هاتان المرحلتان أثرتا كثيرا على الغناء والمعازف إيجابا وسلبا.

أمّا من حيث الإيجاب فقد تحول الغناء والمعازف من جانب جماليّ فطريّ إلى علم له قواعده وأصوله، كما في كتاب النّغم ليونس الكاتب [ت 135هـ]،  والموسيقى الكبير للفارابيّ [ت 339هـ]، ورسالة تأثيرات اللّحون الموسيقيّة في النّفوس الحيوانيّة لابن الهيثم [ت 430هـ]، والكافي في الموسيقى لأبي منصور الحسن بن زبلة [ت 440هـ]، والموسيقى كمال أدب الغناء للحسين بن أحمد الكاتب [ت 652هـ]، ورسائل إخوان الصّفا وخلان الوفا.

كما أنّه دخلت فنون وألحان جماليّة جديدة من الرّوم والفرس والهند وأفريقيا ونحوها كالغناء المتقن الّذي يقابل غناء الرّكبان في العصر الجاهليّ، وفنّ الموشحات في العهد الأندلسيّ، والموالد أو المالد في عهد الفاطميين والمماليك، وفنّ خيال الظّل في عصر الظّاهر بيبرس [ت 676هـ]، والغناء الصّوفيّ أو الدّراويش، كما استطاعوا كشف آلات جديدة كأخذهم العود من الفرس، مع تطوير الآلات القديمة، وهذا بدوره سيؤثر إيجابا في هذا الجانب.

أمّا الأمر السّلبيّ فقد انتشر غناء القيان والجواريّ، واستغلت في الرّقص لراحة وتمتع الأسياد، وكان بداية في قصور الخلفاء والوزراء والأغنياء، وفي مجالس الشّرب واللّهو، حتى عمّ الشّرائح الوسطى في المجتمع، وقلّدهم الطّبقات الصّغرى، فارتبط الغناء بالخمرة والسّفور والدّعارة، لهذا ولّد نظرة سلبيّة له، فقام الوعاظ بوضع الرّوايات المحذرة منه، وأسند ذلك إلى الرّسول الأكرم – صلّى الله عليه وسلّم – والصّحابة وآل البيت والتّابعين والعلماء، حتى أصبح التّحريم شبه إجماع، ونظر إلى الجمال نظرة سلبيّة دونيّة، وتصور أنّ الإسلام يحرّم الجمال، وأنّ الجمال في هذا رقية الشّيطان، وبريد الزّنا، وبوابة الفواحش والقمار، وطريق لغضب الله تعالى وسخطه، ومنع القطر عن العباد، ورفع البركة في المال والولد والأهل.

وعليه هذه الحالة كما سنرى سيسقط أثرها على الجانب الرّوائيّ فالفقهيّ فالمنظومة الاجتماعيّة ككل، ويصبح الغناء والجمال المتعلق به أشبه بالفسوق، ومن يمتهنه أقرب إلى الرّجل الفاسق العاصي، وعليه توقف الجانب الجماليّ وتراجع، كما أنّه شبه ينعدم إذا كانت الدّولة دينيّة بحتة، أو إذا كان رجل الدّين متحكما بالدّولة، أو وقوع السّياسيّ تحت هيمنة المنظومة الدّينيّة أو المجتمعيّة لبقاء كرسيه، لهذا كما رأينا ظهرت أصوات قامت بمراجعة هذه الرّوايات والتّراث المتعلق به منذ فترة مبكرة، بدأ من بن حزم الظّاهريّ [ت 456هـ] والّذي ناقش الرّوايات وخلص إلى بطلانها، وتبعه أبو حامد الغزاليّ [ت 505هـ] والّذي انطلق من الجمال الطّبيعيّ، وحاول الجمع بين الرّوايات وفلسفة الجمال، ثمّ أخوه أبو الفتوح أحمد الغزاليّ [ت 520هـ] والّذي أنكر نظريّة الإجماع في التّحريم، وأبو الفضل محمد بن طاهر بن عليّ المقدسيّ القيسرانيّ الظّاهريّ [ت 507هـ] الّذي ناقش الأدلّة بصورة أوسع مستخدما المنهج الحديثيّ، وصولا إلى محمد بن أحمد الشّاذليّ التّونسيّ [ت 882هـ] ومحمد بن عليّ الشّوكانيّ [ت 1250هـ].

ومع هذا بقي الأمر السّلبيّ فقها وروائيّا هو الأشهر حتى عدّه البعض إجماعا، بيد أنّ البعد الجمالي يظهر أحيانا إذا وجد السّياسيّ القوي المريد لذلك، أمّا السّلطة الدّينيّة عموما وتأثيرها على السّلطة الاجتماعيّة فنظرتها أصبحت سلبيّة جدا، رغم وجود بعض المراجعات، لكن لم يكتب لها الظّهور، ولم يتبناها مشروع سياسي مذهبيّ، مع استثناء بعض الغناء الصّوفي والدّينيّ الّذي تبنته بعض الدّول، وعليه لقراءة النّصوص التّراثيّة رواية وفقها لابدّ من إدراك هذه البعد التّأريخيّ والفلسفيّ لفهم الرّواية فهما ظرفيّا نستطيع بذلك تفكيكها وفق الصّيرورة الزّمانيّة والظّرفيّة، وهذا ما سنلحظه – بإذن الله تعالى – في مباحث الأدلّة والمذاهب أو المدارس الفقهيّة.

 

            يتبع الحلقة [الثّانية والثّلاثون] ………………………

 

 

 

 

[1] لنا بحث موسع في هذا باسم فلسفة الدّولة، عسى أن يتمّ قريبا بإذن الله تعالى.