الكاتب: بدر بن سالم العبري
تحدّثنا في الحلقات الأولى عن ماهية العصرين، والفترة الزّمنيّة لهما، وهنا نشير فقط إلى قضيّة حضور بعد الجمال في العصرين، والّذي يهمنا أنّ العصر الجاهليّ – كما رأينا سابقا – يحمل بعدين: البعد الجغرافيّ، وهو أقرب إلى الحجاز والجزيرة العربيّة عموما بما في ذلك العراق واليمن، والبعد المعنويّ فيكون أشمل زمانا، ويدخل فيه حضارات عديدة، وعليه إن قلنا بالثّاني فالجمال كفنّ وعلم حاضر عند حضارات وأمم آنذاك، خصوصا الإغريق والفرس، وإن قلنا الأول فالأمر ليس ببعيد أيضا كاليمن والحجاز وعمان، إلا أنّ العديد من بلدان الجزيرة العربيّة كانت تحت التّأثير الرّومانيّ والفارسيّ.
وعموما ضعف تدوين هذه الفترة، وكذا صعوبة ضبطها علميّا أحدث بعض الضّبابيّة من جهة، والتّداخل من جهة أخرى في فهمها وتقويمها، ومع هذا يبقى الجمال بشكل فطريّ حاضر عند الإنسان، وإن لم يؤلف له علما، فجمال الغناء كان حاضرا عند العربيّ عموما، فبدو الصّحراء وهم يتنقلون من مكان إلى آخر، متحملين قسوة الطّبيعة؛ كان جمال الغناء لا يفارقهم، والدّف والطّبل والمزمار والصّوت الحسن والرّقص يخفف بعض مشاق الطّبيعة وقسوتها، لهذا كان الحداء يصاحبهم في أسفارهم، وتطيب به الإبل وحيواناتهم؛ لأنّه فطري يتناغم مع جمال الوجود، ليتناغم معه من في الوجود، كما ظهر عندهم غناء الحروب والأفراح وترقيص الأطفال وتنويمهم وتسليتهم.
وهكذا كان العربيّ أيضا وهو يجوب البحار طلبا للرّزق، وبحثا عن اللّؤلؤ، فيتسلى بجمال الغناء، وإذا سكن به اللّيل، وهو يهتدي بجمال النّجوم، ويتمتع بجمال البحر والسّماء، يسقط هذا على نفسيته، ليبدع في ألحانه وغنائه، فيتسلون وهم يشقون البحار بين جمال الطّبيعة، وجمال الحناجر والآلة الّتي صنعوها ليحاكوا هذه الأوتار الطّبيعيّة، وأصوات الحيوانات، مع الشّعر الّذي تعارفوا عليه، فيسقط بُعدا جماليا يخفف عنهم بعض مشاق السّفر والحياة.
وهكذا إذا تمددنا قليلا إلى مناطق الاستقرار، وأماكن الخضرة والأفلاج والطّبيعة، فهؤلاء لهم ألوانهم في الألحان والغناء، فهناك الألحان العراقيّة واليمنيّة والحجازية والمصريّة والعمانيّة والشّاميّة، ممّا اسقطته الطّبيعة جمالا في الإنسان، ليسقط ذلك من خلال حنجرته وآلته، ويضع من الشّعر ما يتوائم بين طبيعة حنجرته، وصناعة آلته، فالغناء وجماله فطري فطر به الإنسان مهما كانت بيئته، ومهما كانت ثقافته ومعيشته.
وأمّا العصر النّبويّ فلم يقف الرّسول – صلّى الله عليه وسلّم – من خلال رسالته وإصلاحه موقفا معاديا للجمال؛ بل وقف موقفا مهذبا، كما روت الرّبيع بنت معوذ [ت بضع وسبعين للهجرة] قالت: جاء النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – يدخل حين بني علي، فجلس على فراشي مجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدّف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهنّ: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: دعي هذا، وقولي بالّذي تقولين، فهنا لم ينكر عليها، وإنّما هذّب بعض كلامها ليتوافق مع القيم الكبرى.
ولما هاجر العديد من مكة إلى المدينة، وجدوا في المدينة الطّرب والرّقص من الاستقبال الأوليّ، وهذا لم يعهدوه في مكة، ومع هذا لم ينكر عليهم الرّسول عادتهم، وهذا أقرب اليوم إلى الفنون والأهازيج الشّعبيّة، بل شاركهم الإنشاد والغناء وهم يبنون مسجد قباء، ويحفرون الخندق يوم الأحزاب.
وممّا يدل على عدم ألفة بعض المهاجرين لبعض الغناء في المدينة ما روته عائشة [ت 58هـ] قالت: دخل عليّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – وعندي جاريتان تغنيان غناء بعاث – يوم من أيام العرب في الجاهلية -، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر [ت 13هـ] فانتهزني: مزمارة الشّيطان عند النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم –، فأقبل النّبيّ فقال: دعهما، فلمّا غفل غمزتهما فخرجتا، وذلك لأنّ أبا بكر لم يألف هذا النّوع من الغناء، وهذا طبيعي، فقبل فترة زمنيّة بسيطة عندما دخل إنشاد الغناء المساجد غضب العديد من كبار السّن؛ لأنّهم لم يألفوا هذا، كما ينكر البعض أنواعا من الغناء لأنّه لم يألفه في بلده، فالعمانيون ألفوا مثلا الأهازيج والأغانيّ الشّعبيّة كالرّزحة لكنهم لم يألفوا الدّبكة الشّامية مثلا!!
وعموما رأينا القرآن الّذي جاء به النّبي الأكرم – عليه الصّلاة والسّلام – في ذاته جمال لغويّ وموسيقيّ، وكان الرّسول يعجبه الصّوت الحسن، والتّرتيل الحسن، وكان هناك جمال الأذان، لهذا كان بلال هو المؤذن لأنّه أندى صوتا، فالجمال شيء فطريّ لا يتعارض مع رسالات الله، ولكن جاءت هذه الرّسالات لتهذيب هذه الفنون بما يخدم الإنسان واستعماره للأرض!!
يتبع الحلقة [الحادية والثّلاثون] ………………………
![الغناء والمعازف بين الحلّ والتّحريم الحلقة [الثّلاثون] فلسفة الجمال في الغناء والمعازف في العصرين الجاهليّ والنّبويّ](https://shuoon.om/wp-content/uploads/2018/04/العبري-3.jpg)