الكاتب: د. حمد الرشيدي
كادت محاضرة ألقاها سليمان الندوي، في كلية العلوم الشرعية، أن تسبب توترًا في العلاقات مع دول شقيقة بمجلس التعاون، لولا تعامل وزارة الخارجية العمانية بحزم في الموضوع، مستنكرة تصريحاته، التي هاجم فيها ما يسمى “بدول الحصار”؛ وقامت بطرده من عُمان.
وما أريد قوله: إنه ينبغي أن يكون هناك تصريح لكل محاضر يقوم بإلقاء درس عام، من خلال جهة مختصة، تدرس تاريخ المحاضر، ونوعيّة فكره، ونشاطاته الميدانية، فبعض هؤلاء يأتي بأفكارٍ تخالف نظام الدولة، وتثير مشاعر المستمعين، وتوجهها لجهات غير محمودة العواقب، فهو يُلقي الكلام على عواهنه، دون اعتبار لسياسة أو احترام لنظام، وإنما كل همّه أن ينشر فكره، ويذيع شبهه، ويدغدغ مشاعر الجمهور بالصوت العالي، وتنزيل الآيات القرآنية في غير موضعها، معتمدًا على التدين الطقوسي لمستمعيه، الذين تفعل فيهم العاطفة فعلها، فما أسهل أن تريهم صورًا لجثث من مكان ما، وتقول لهم: إنها وقعت في مكان يمثّل قدسية لهم، أو تتلو عليهم آيات محرفا إياها عن مواضعها، والتأثير على المستمع يبلغ أوجه إذا ما انتحب المحاضر وبكى أو تباكى، كما يفعل عمرو خالد، الذي فضحته كاميرات التصوير في الحج، وما كان ينبغي لكلية العلوم الشرعية -ذات الصرح الشامخ- أن تستقبل أمثال هؤلاء، وتمكّنهم من استلاب عقول الطلاب، وغرس مفاهيم لا تمتُّ للواقع بصلة؛ لكن – للأسف – فإن الطريقة التي تتعامل بها الكلية في تدريس الشريعة يجانبها الكثير من الصواب، وتحتاج إلى إعادة صياغة، لقد كنّا ندرس العقيدة والفقه في الكلية -عندما كانت معهدًا- ولم نسمع أساتذتنا، يقولوا: وهذا هو الصواب والحق، بل كنّا ندرس الاختلافات العقدية دون تحيّز لرأي على آخر، ثم دار الزمان وصرت أقرأ ما يدرسونه في الكلية، فأرى ترجيحا لرأي واحد، واعتباره الحق الذي لا مرية فيه، وهذه آفة منتشرة في المعاهد الإسلامية في كل أرجاء العالم الإسلامي؛ ولذلك ينشأ التعصب وتشهر سيوف البراءة في وجوه المخالفين، وتدق أسافين الفرقة في المجتمع.
لابد أن تُنقّى المناهج الدينية من كل ما يثير النعرات الطائفية، بحيث تُدرّس العقيدة التي تصل المؤمن بربه، وتزيد إيمانه، وتغرس في نفسه الطمأنينة، وتنفخ فيه روح التسامح؛ حتى لا يكون وصيا على الخلق ولا مجافيا لهم؛ نتيجة ما يَغْرِس فيه من قيم سلبية، تجعله محيطا نفسه بأسوار من العزلة، وتشوه فيه معاني المودة والرحمة، التي جاءت الأديان لتغرسها في النفوس، ثم إن الفقه الذي يُدرّس اليوم يغرق في تفاصيل تجاوزها الزمن، ومواضيع لا فائدة ترجى منها، إن الفقه الذي ننشد، هو الفقه الذي يجعل المرء متزنًا في تصرفاته، غير مزدوج في شخصيته، ولا متناقضا في سلوكه، يدرس في جانب والواقع في جانب آخر؛ مما يولّد ردّات فعل متطرفة في جانب اليمين أو اليسار، وإذا كان الطبيب لا يُصرّح له بممارسة المهنة حتى تُجرى له الاختبارات، وتُعمل له الفحوصات، للتأكد من قدرته على معالجة أبدان الناس؛ فإن الحاجة لإجراء هذه الاختبارات والفحوصات لمن نُسلّم له عقول الطلاب هو أولى وأهم، فطبيب العقول أعظم من طبيب الأبدان، لذلك عندما نختار هيئاتنا التدريسية في كلياتنا الشرعية ينبغي أن يُعرِّفوا بالعلم الراسخ، والفقه المتين، والتسامح النبيل، والرؤية المتزنة، التي تبني ولا تهدم، وممن عُرِفوا بمؤلفاتهم العميقة، لا أن يكونوا وعّاظًا يخلبون الألباب بمعسول الكلام، لا يتقنون سوى فن الوعظ، ناشرين للتعصب ومجانفين للواقع.
