الكاتب: بدر بن سالم العبري
تحدّثنا في الحلقات الأولى عن تأريخيّة الغناء والمعازف من العصور القديمة وحتى العصر الحديث، ثمّ وضعنا مقدّمة لعلم الجمال وتعريفه وتأريخ نشأته، ثمّ ربطنا ذلك بنظرة القرآن جماليّا، وأتينا بثلاثة عشر نموذجا من كتب المتقدّمين والمتأخرين، ولكي نختم هذا الفصل نضع استقراء بسيطا لفلسفة الجمال من العصور القديمة وحتى العصر الحديث، وهذا بطبيعة الحال مبحث استقرائيّ لما أسلفنا حوله تأريخيّا.
الجمال مرتبط بالإنسان والكون والطّبيعة، ولهذا يسقط الإنسان هذا الجمال من خلال تأمله ونظرته، ومن خلال سيره ومعاشه، وسماعه وإنصاته، فهو يرى جمال الوجود، ويتمتع بأصوات العصافير، وخرير المياه!!
والمحاكاة فلسفة قديمة عند الإنسان، ولسببها حاول كشف سنن الوجود، فحاول محاكاة الطّيور لأجل أن يطير، وحاول أن يحاكي الحصان لأجل أن يكتشف آلة تختصر له الزّمن في التّنقل، ويذكر القرآن أنّه قام بمحاكاة الغراب لأجل دفن الميت: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة/ 31].
ومن المحاكاة حاول محاكاة حناجر الحيوانات ليصنع آلات تخرج الصّوت عن طريق الأنبوب أو النّفخ أو الضّرب على الأوتار، كما أنّه حاول محاكاة الطّبيعة في ظهور الأصوات بقوّة فسخر جلود الحيوانات في صناعة الطّبول ونحوها.
كما أنّ الإنسان أيضا كما قام بمحاكاة الطّبيعة في الحس؛ حاول محاكاة الكون في النّظم والأشعار، فجعلها موزونة بشكل تدخل اللّذة في السّماع، ثمّ حاول أن يقرّب الجمال في الكون والطّبيعة من خلال المفردات الحقيقيّة لتشكل بعدا مجازيا وبلاغيّا من خلال الخيال والتّشبيهات والاستعارة، وهكذا استطاع أن يصنع بعض الألحان لتجمع بين الآلة وهذا الكلام الموزون.
وبطبيعة الحال لا يمكن حتى الآن معرفة متى استطاع الإنسان كشف ذلك، ولكن من المؤكد أنّه بدأ من البدايات الأولى للإنسان، ولأنّ الإنسان متطور بطبعه فكرا وكشفا للحياة؛ إلا أنّه استطاع كشف ذلك مبكرا إمّا لسهولة كشفها، أو لارتباطها الفطريّ بالإنسان، خلافا للسّنن الأخرى في النّقل ومقاومة الأمراض ونحوها فقد تطور كشفها ببطئ شديد حتى بعضها كشفت بعد آلاف السّنين.
وقد رأينا في المباحث التّأريخيّة أنّ الغناء والمعازف ارتبط بالحضارات الأولى، وظهر آثارها في الحضارة المصريّة القديمة، ودوّن بعض آلاتها في التّوراة القديمة، وهكذا في الحضارات الفينيقيّة والآشوريّة والكلدانيّة، ممّا يدل على عمق كشفها في التّأريخ، وعمق محاكاة جمال الطّبيعة، وتحويله إلى معنى موزون، وآلات تحاكي الحناجر والقرع والضّرب والأوتار بشكل جماليّ بهيج، وهذا بدوره ساهم في كشف الألحان منذ فترة مبكرة جدا.
ولما قامت الحضارة الأغريقيّة ظهر ما يسمى بعلم الجمال، حيث أنّ الجمال والفنّ نشأ مع وجود الإنسان، إلا أنّه كعلم فلسفيّ نشأ مع نشأة فلاسفة علماء اليونان القدماء[1]، فعلم الاستاطيقا Aesthetics يرجع إلى نهاية القرن الثّامن الميلاديّ عند الفلاسفة الأغريق[2].
والجمال بطبيعته يشمل جمال الصّوت وجمال النّقش والرّسم، والاثنان قديمان موغلان في التّأريخ، بيد أنّه سهل توثيق النّقش والرّسم على الصّخور والأواني والمعابد والجدران والقبور والبيوت، وهذا خلاف توثيق الغناء والألحان، لصعوبة توثيق ذلك إلا في العصر الحديث عندما اكتشف الإنسان وسائل حفظ الأصوات كالاسطوانات ونحوها، بيد أنّ الرّسم والنّقش، وكذا الرّوايات المقدّسة والقديمة كالتّوراة وجلجامش، حفظت حضور هذا الجانب الجماليّ مع الإنسان، وارتباطه به منذ فترة مبكرة جدّا، إلا أنّه كما أسلفنا يصعب جدّا كشف تحديد بدايته، أو تحديد فترات تطوره إلا عن طريق التّخمين والاستقراء الظّنيّ، والّذي يهمنا هنا أنّ الجمال فطرة غريزيّة وجد مع الإنسان منذ بداياته الأولى وصراعه مع الطّبيعة.
يتبع الحلقة [الثّلاثون] ………………………
الهامش:
[1] مطر: أميرة حلميّ؛ فلسفة الجمال أعلامها ومذاهبها، مصدر سابق، ص11.
[2] موقع فيدو على الشّبكة العالميّة، الرابط:
http://www.feedo.net/QualityOfLife/QualityOfLifeBasics/Aesthetics.htm، الزّيارة: 28 شعبان 1437هـ، 6 مايو 2016م، وقت الزيارة: السّاعة الخامسة مساء (بتصرف).
![الغناء والمعازف بين الحلّ والتّحريم الحلقة [التّاسعة والعشرون].. فلسفة الجمال في الغناء والمعازف في العصور القديمة](https://shuoon.om/wp-content/uploads/2018/04/العبري-2.jpg)