الكاتب: بدر بن سالم العبري
أخذنا في الحلقات الماضيّة ثلاثة عشر نموذجا من المتقدّمين والمتأخرين، كنماذج نظرت إلى الغناء والمعازف من منظور مختلف وهي:
– رؤية أبي حامد محمد بن محمد الغزاليّ [ت 505هـ].
– رؤية عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الظّاهريّ [ت 456هـ].
– رؤية أبي الفتوح أحمد بن محمد الطّوسيّ الغزاليّ [ت 520هـ].
– رؤية إخوان الصّفا وخلان الوفا [القرن الثّالث والرّابع الهجريّ].
– رؤية محمد بن أحمد بن الحاج الشّاذليّ [ت 882هـ].
– رؤية محمد بن عليّ الشّوكانيّ [ت 1250هـ].
– رؤية محمد رشيد رضا [ت 1935م].
– رؤية محمود شلتوت [ت 1963م].
– رؤية بيوض بن عمر [ت 1981م] وتلميذه البكريّ [ت 1986م].
– رؤية محمد الغزاليّ [ت 1996م].
– رؤية محمد حسين فضل الله [ت 2010م].
– رؤية محمد عمارة [معاصر].
– رؤية يوسف القرضاويّ [معاصر].
وكنا نأمل أن نضيف رؤية الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر بن عليّ المقدسيّ القيسرانيّ الظّاهريّ [ت 507هـ] إلا أنّها ركزت بصورة كبيرة في مناقشة الأدلّة، حيث خلص إلى الجواز، وناقش روايات المنع حسب منهج أهل الحديث[1].
سنجد الرّؤى الأولى على ثلاثة نماذج: النّموذج الأول يتجه في مناقشة أدلّة المنع من الرّواية، أو تأويل بعض الآيات، ويفندها حسب منهج المحدثين، كما عند ابن حزم [ت 456هـ] وابن القيسرانيّ [ت 507هـ]، ونموذج تأثر بالفلسفة المترجمة، والنّظرة الفلسفيّة في الألحان والمعازف والآلات وعلاقتها بالجانب الرّياضيّ كما عند إخوان الصّفا وخلان الوفا [القرن الثّالث والرّابع الهجريّ]، ونموذج ثالث دمج بين الجانبين: الجانب الفقهيّ والرّوائيّ والجانب الفلسفيّ كما عند أبي حامد الغزاليّ [ت 456هـ]، ومن خلال هذا الأخير بدأ يتشكل منهج السّماع عند الصّوفيّة، كما ظهر بعده عند أبي الفتوح الطّوسيّ الغزاليّ [ت 520هـ]، ومحمد الشّاذليّ [ت 882هـ]، حتى قوي رأي التّحريم وعمّ فظنّه النّاس إجماعا فكفّروا من أباحه أو أجازه ولهذا جاء من المتأخرين من أبطل نظريّة الإجماع في التّحريم وما يتعلّق به من تكفير أو تفسيق كما عند الشّوكانيّ [ت 1250هـ].
وبعد اختراع الإذاعة، وابتدأ في عام 1906م بث الإذاعة، وإن كان التّلفاز اكتشف مبكرا إلا أنّ عصره الذّهبي كان في بداية القرن العشرين؛ هنا بدأ السّؤال عن الغناء والمعازف من جديد وبكثرة، خاصة بعد ظهور الاسطوانات الغنائيّة فـ[الكاسيت/ الأشرطة]، حيث بدأت المراجعة كما ظهر عند محمد رشيد رضا [ت 1935م]، ومحمود شلتوت [ت 1963م].
وهذا أثر على فقه الدّعوة عند الإصلاحيين، فكانت نظرتهم أكثر سعة وعمقا وانفتاحا في الوقت نفسه على قضايا العصر ومشاكله كما عند بيوض بن عمر [ت 1981م] وتلميذه البكريّ [ت 1986م]، وعند محمد الغزاليّ [ت 1996م]، و محمد حسين فضل الله [ت 2010م].
بيد أنّ ظهور فلسفة الجمال في القرن السّابع عشر، وظهوره في القرن العشرين وربطه بالحداثة عند الغربيين سيؤثر على النّظرة الدّينيّة العربيّة عند المسلمين للغناء والمعازف لكونه مرتبطا بالجمال، ولهذا سيكون هذا الجزء من الفلسفة حاضرا في علاج القضيّة ومراجعتها من جديد كما عند محمد عمارة [معاصر]، يوسف القرضاويّ [معاصر].
لهذا سنجد الاتفاق أنّ الانفتاح السّلبيّ في القرون الأولى، واختلاط جلسات الغناء بالخمر والقمار؛ جعلت الفقهاء ينظرون إليه بسلبيّة، كما أنّه قام الوعاظ بوضع عشرات الرّوايات المنفرة منه، حتى تصور النّاس أنّ المنع هو الأصل، وأنّ الحرمة شبه إجماع، وأنّ الرّأي الآخر شاذ، لهذا ارتبط مناقشة هذا الجانب بمناقشة الأدلّة، وإبطال نظريّة الإجماع والتّكفير والتّفسيق!!
كذلك أثر أيضا الجانب الصّوفيّ وغلوه في المديح، ومبالغته فيه، إلى وجود نظرة سلبيّة من هنا أيضا كانت بعض المراجعات النّاقدة لهذا الجانب، حيث وجود سلوكيات خاطئة لا يعني بحال فساد أصل القضيّة!!
ومع الانفتاح المعاصر، وشيوع مجالس وتسجيلات هادفة، وليست قرينة مجالس الخمر والقمار، كالمسارح، وتسجيلات الأشرطة والتّلفزة والإذاعة؛ حدث رأي أكثر انفتاحا، وبالتّالي قلّت النّظرة السّلبيّة، خاصّة مع حضور الموسيقى الواضح في كلّ شيءّ حتى الهواتف وقاعات الانتظار والمستشفيات ونحوها.
إلا أنّ ظهور حركة الصّحوة في الثّمانينيات والتّسعينيات من القرن العشرين الميلاديّ حاولت إحياء القول بالحرمة، وإشاعته على أنّه رأي الإسلام، بيد أنّ الانفتاح الفضائيّ، والشّبكة العالميّة، ووسائل التّواصل الاجتماعيّ؛ جعل القول الآخر حاضرا وأكثر بروزا، وربما يكون مستقبلا القول بالحرمة المطلقة قولا شاذّا، كطبيعة الأقوال، فكم من قول شاذ الآن مشهور في زمن غابر، والعكس صحيح!!!
يتبع الحلقة [التّاسعة والعشرون] ……………
الهامش:
[1] ينظر: المقدسيّ القيسراني: محمد بن طاهر بن عليّ؛ كتاب السّماع، مخطوط.
![الغناء والمعازف بين الحلّ والتّحريم الحلقة [الثّامنة والعشرون].. القراءة العامّة للرؤى](https://shuoon.om/wp-content/uploads/2018/04/العبري-1.jpg)