هل نحن بحاجة إلى التصوف اليوم؟ (3-3)

الكاتب : خالد محمد عبده

ما الحاجة إلى علم التصوف الآن؟! هل يمكن أن يقدّم التصوف شيئًا جديدًا أو مفيدًا للمسلم المعاصر؟ يُطرح هذا السؤال بصورة متكررة كلما تحدث أحد الصوفية وأظهر للجمهور رؤية مختلفة لبعض القضايا التي ينشغل بها المسلمون، ويواجه الصوفي تهمة الترقيع، فما يقوله يعتبره خصوم الفكر الإسلامي -أو من يحاكمون الإسلام بناء على ما يجري في الساحة العالمية من أحداث عنف وتطرف وإرهاب- مجرد تأملات بعيدة عن الواقع الملموس، إذ الأحداث أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الإسلام دين تعصّب واقتصارية وإلغاء للآخر!

يتبنى هذه الرؤية كثيرٌ من الكتّاب العرب اليوم، كذلك فإن بعض الآباء المسيحيين الذين خاضوا تجربة الحوار الإسلامي المسيحي وساهموا في تطويرها تراجع عن أفكاره التسامحية مع تزايد أحداث العنف ورأى أنه لم يعد هناك حل ناجع يمكنه أن يغيّر نظرة المسلم الأصولي إلى الآخر المختلف.

عند القوم الصوفية أن “الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق” أضحت هذه المقولة شهيرة بين الناس، ويرددها كثير من الشباب المسلم اليوم، تجسدت هذه المقولة في التاريخ الإسلامي وأمست واقعًا بتعدد الطرق والمذاهب، ويُفترض في قائل هذه المقولة أو المتمثّل بها في حياته أن يتعبر كافة صور التدين طرق إلى الله ذي المعارج، كلها طرقٌ إليه ما ناسبني أو ما لم يناسبني، ما يعبر عن المسلم أو ما لا يعبّر عنه، لكن نفرًا قليلاً من الناس من يؤمن بذلك على وجه الحقيقة، أما الغالبية فتقوم بتقييم عقائد الآخرين بناء على فهمها الخاص واعتقادها الجازم في امتلاك الحقيقة والصواب وحدها.

إن قصة الفيل والعميان، تلك الأسطورة البوذية (1) التي دخلت إلى عالم الصوفية تجسّد لنا مثال (الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق) فسنائي الغزنوي الصوفي الفارسي بعد أن سرد هذه القصة في كتابه حديقة الحقيقة رأى أن تعدد وجهات النظر تجاه أمر واحدٍ ثراء إنساني يمكن أن يستفيد منه الإنسان وينزع عنه الهوى والتصعب، لكن سنائي أكد بعد ختامه لسرد أحداث القصة أنه على على الرغم من تشظي الحقيقة بين الجميع إلا أن الإسلام هو الغالب والحاكم ومن أن أراد الحقيقة والصواب فعليه بالإسلام.

استفاد مولانا جلال الدين الرومي من دروس السابقين فأعاد صياغة القصة على نحو مختلف، وختمها بصورة أرحب وأوسع مما خُتمت به عند أبي حامد الغزالي، الذي ساق القصة في باب التوبة من كتابه إحياء علوم الدين، وكذلك كان عرضه لها أكثر تفصيلاً من عرض أبي حيّان التوحيدي في المقابسات وسنائي وغيرهم ممن تناولوا هذه القصة في مؤلفاتهم وعرضوا لها (2)، فأعاد الرومي صياغة القصة على نحو مختلف، معبرًا عن رؤية عاشها وآمن بها. يقول مولانا جلال الدين:

إن عين الحسّ مثل كف اليد فحسب، وليست لكف واحدة قدرة الإحاطة به ككل.

وعين البحر شيء وزبده شيء مختلف، فاترك الزبد وانظر لعين البحر.

إن حركة الزبد من البحر ليل نهار، وأنت لا تفتأ تنظر إلي الزبد ولا تنظر إلي البحر وهذا أمر عجيب.

ونحن كالسفن. يصطدم بعضها ببعضها الآخر، ونحن عُمي الأبصار في الماء الصافي.

ويا من قد رحت في النوم في سفينة الجسد، لقد رأيت الماء فانظر إلي ماء الماء (3).

يقدّم التصوف للمسلم المعاصر رؤى متعددة بتعدد السالكين في الطريق إلى ربّ العالمين، أهال البعض التراب عليها وغيّبها وسكت عنها، رؤى تفيد الإنسان في تجربته الدينية وتطويرها، وتساعده على التعامل مع بحيوية وصدق وتريه أبوابًا ونوافذ يلج من خلالها إلى عوالم أرحب لم يكن على علم بها من كثرة الشقوق والثقوب التي فُرض عليه أن ينظر من خلالها إلى العالم والإنسان ويتواصل مع ربها من خلالها. يمكّنه التصوف من التعرّف على كلام الله وحده بعيدًا عما تقوله علماء الكلام وتختلف فيه وتبعد المسلم عن حياة حقيقية هو جدير بها، فانشغالات الفرق الإسلامية التي ورثتها الأجيال المسلمة باترة سياقاتها التاريخية جعل من مسلم اليوم مجرد صورة تسجيلية تكرر السابق فحسب وتلغي وجودها.

إن بعض الأفكار الحية في علم الكلام والطبيعيات غُيبت عربيًّا بسبب اهتمامنا بقضايا الخلاف الفرقية الزائفة، يعلّمنا التصوف أن الاقتصار على الاهتمام بالظاهر والانشغال بالتفاصيل حجب لحياة النفوس الحقة، فلا يمكن للغافلين الذين تحكمهم أنفسهم أن يدركوا الطريق إلى الله ولا المنازل في هذا الطريق وسط هذه الانشغالات بكل شيء دون أن ينشغلوا بحياتهم.

الإنسان البارع المتعلم إنسانٌ جيّدٌ –كما يقول مولانا جلال الدين- لكن خذ العبرة مما حصل مع إبليس ولا تعطه قيمة كبيرة! لأن إبليس أيضًا كما يقول الكتاب كان لديه علمٌ، ورغم ذلك فقد رأى خلق آدم من التراب لا يمكّنه من المرتبة التي وضعه الله فيها، رأى وجه آدم الخارجي ولم ير حقيقته ولم يُصغ لكلام الله.

ما الحاجة إلى التصوف إذًا؟ ولماذا التصوف؟!

يمكنني أن أسرد لك جزءًا مما يقوله أهل التصوف عن ضرورة هذا العلم والسلوك للمسلم وأن التصوف قلب الإسلام النابض، وأن التصوف صنع حياة فلان من العلماء وجعله من أهم فلاسفة المسلمين في الغرب، ويمكنني أن أذكر لك من سير المعاصرين طرفًا يجعلك تندهش لأن هذا الرجل الكاثوليكي اهتدى إلى الإسلام عبر بوابة التصوف، وأن تلك المرأة اكتشفت الإسلام من خلال نصّ شعري كتبه أحد المتصوفة، وأن أكثر الكتب مبيعًا في البلاد الأعجمية كتب التصوف الفارسي والعربي، وأن مقطّعات من ثمار التصوف تنشدها أصوات عذبة ولها حضور في حياة الصغير والكبير والمؤمن والملحد!

لكني دعني أقول لك ما أومن به بسبب حضور التصوف في حياتي أو محاولتي لأن أكون قريبًا من التصوف والمتصوفة .. بماذا أفادني التصوف وأفاد من أعرفهم ممن هم صوفيون بالفطرة؟

يفيدنا التصوف في إعادة تشكيل نظرتنا إلى الحياة والدين والناس من حولنا، فإذا انشغل الناس بفرضية الحجاب وحرمان التلاميذ من حقّهم في رؤية معلمتهم بسبب النقاب وهل يحق للممثلة أن تظهر بالمايوه على صفحتها أمام الجمهور .. لا ننشغل بهذا الزيف والعبث.. فكله غياب وتغييب للبشر في طاحونة الفقّاعات التي لا تنتهي ويُراد بهم أن يسعوا كل لحظة وراء فقاقيع تجدد لهم ويظنون أنهم أصحاب رأي وتفكير بمجرد مشاركتهم في هذا العبث.

يفيدنا التصوف في عدم التزلف للآخرين فمن هو اليوم صاحب عزّة وغلبة ومكانة كان بالأمس مهملاً وسيكون بعد قليل مهما ذاع صيته مهملاً من أقرب الناس إليه، فلا نرخّص عطية الرحمان التي وهبنا إياها بالتقرب شبرًا إلى غيرنا والانحطاط عن آدميتنا أذرعًا.

يفيدنا التصوف أن نحسن القراءة فمن كلام من سبق أن الكون كله خيال ولا حقيقة إلا هو ! لا نقف على ظاهر اللفظ ونشبث بما توارثناه دون وعي، نتمسك بما مسّنا من القول، وما حرّك فينا شيئًا حقيقيًا، فالوهم واقع لا محالة لكل شخص منا يشعر ويحيا ويتطور، فكم من لحظة مرّت علينا تمنينا فيها أن يكون كل ما يحدث لنا مجرد خيال من فرط الدهشة أو الألم أو المكابدة، لعل من قال كلمة قصد كذا، لعل مراده كذا، لعلنا نصل إلى كذا، كلمة لعل وربما، من مقتضيات البشرية، وكما يعلّمنا أهل الفقه واللغة والتفسير والأدب أن نحمل الكلام على وجوه كثيرة من التأويل ما لم يُقطع فيها بمعنى صريح، يعلمنا التصوف أن نفتح الباب لاجتهاد الآخرين ولا نحاكم أحدًا بأفهامنا التي لم تتطور بعد.

يبلّغنا التصوف لحظة انكشاف حقيقي، لا يكون بيننا وبين أنفسنا حجاب، هذه اللحظة هي الحُجة التي يقيمها الله على العباد، أنت الآن هنا أمام نفسك دون قيود أو حُجب، دون ترغيب أو ترهيب، عليك أن تختار من تكون، عليك أن تختار البدء في تجربتك معي ومع الناس، أو تختار أن تدفن نفسك وسط زحام الأجساد، لتكون مع الحلال أو مع الحرام، لتكون مع يجوز ولا يجوز، لتكون مع البوح أو الكتم، أنت في هذه اللحظة تعلن ميلاد نفسك أو تدخلها قبور الآخرين!

التصوف لا يجعلك تهتم بما يقوله فلان من أهل العراق أو مصر، ولا يريك حدودًا للأوطان، الوطن كالبيت، والبيت عند الصوفية هو القلب، والقلب وحده هو ما وسع ما لم تسعه السماء والأرض، يجعلك التصوف تدرك معنى وطنك الحق، ومقامك الذي لا يشبه مقام غيرك مهما خالط وأنست به، فلكل حاله مع نفسه ومقامه الذي يبلغه وحده.

التصوف لا يجعلك تزاحم حتى في الحرم، ولا تجري حتى لا تفوتك الركعة فتدخل وسط الصلاة ويحمل عنك الإمام ما فاتك من سهو أو نسيان، التصوف يجعلك إمام نفسك في وقت تستحق أن تفيق ولا تكون عبدًا لأحد، التصوف كما قال الهجويري ذات يوم هو الحرّية، أنا تكون إمام نفسك وتدرك جمعك بك وإن فاتتك الجماعات ولم تكبّر مع الجماهير الغفيرة التي لا تنفك عن التكبير ولا كبير لها إلا من يسجنها ويمنعها من الحياة.

التصوف يجعلك مؤمنا بالله وحده ومؤمنًا بالأمل في الحياة رغم كل ما يحيط بك من موت، ورغم إعلان المؤذن في كافة المساجد كل لحظة لوفاة رجل أو امرأة أو باعتلائه المنبر ولو كان صعوده على أجساد غيره ولو كان بغرض إعلان عبادة الأصنام الجديدة التي تعرفها أنت ولا يفوتك حتى تعيش أن تردد لها ترنيمة من رفضهم دينك باعتبارهم مشركين.

التصوف يمنحك سكينة لا يجعلك تنتفض أو تعوج رقبتك إذا مرّت امرأة جميلة ثم تنظر لها من تحت نظارة قلبك السوداء، أو تأكل لحمها بحديثك مع غيرك عما شاهدته اليوم من فتن، يجعلك التصوف تبتسم إن رأيت ما يسعدك، ولو كانت امراة جميلة، فليس كل نظر مصحوب بشهوة وانتفاض جسد وإشراف على قضاء اللذة، لو كنت سويًا لشاهدت الجميل وحمدت الله على أنك رأيت ما يسعد، وشكرت الله أن يومًا بدأ بهذه الابتسامة وهذا المشهد الجميل، بعض الصادقين كان من الجمال أن قال: لو استوى في قلبك أن النظرة للجميلة كالنظرة للطبيعة بجمالها فنظرتك هنا واجبة لا مباحة أو مندوبة فحسب!

التصوف يجعل نفسك تعزف عن حديث المعازف أحلال هي أم حرام، يجعلك التصوف ترى ان الموسيقى لغة من لغات الله التي لا تحصى ولا تُعدّ، فالله يتكلم عبر كل شيء، وقد قال لك في كتابه: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) فبأي لغة تكلم الله وهل كلامه قديم أم حادث؟ وهل الكلام نفسي وهل له مستوى بشري ومستوى إلهي؟! لك أن تهتم بالمعارف وتتحدث عن النهي والإباحة للمعازف، لكن قلبك لن يصبح قلب عائش وعارف إن ظل همّك ما ورثته من كلام الأقدمين، ولم يكن لك مع الله وقتٌ يخصك وحدك، ولا يسعك فيه غيرك أنت وربك.

حاجتنا إلى التصوف اليوم حاجة لحياة قلب أماتته الوراثة وغبّش عليه غبار الأفواه  ومنعه من أن يفيق من رقدته الطويلة، ليحسن إلى نفسه وينفعها وينفع من أراد الحياة!

 

 

المصادر والمراجع:

  • تُنسب قصة العميان والفيل الهندية الأصل في كتاب “أودانا” Udana –وهو من الكتب التعليمية في البوذية التي يُطلق عليها اسم Thervada – إلى الحكيم بوذا، انظر : فريد قطاط “الرمزية والتمثيل في قصة العميان والفيل” وقائع الندوة التي أقيمت بمناسبة المئوية الثامنة لوفاة مولانا جلال الدين الرومي، نشرة المجمع التونسي للآداب والفنون، قرطاج 2009، 183ومابعدها.
  • راجع أبو حيّان التوحيدي “المقابسات” نشرة مصر بعناية حسن السندوبي ص 259، 260 وقد عنون السندوبي القصة بقوله:[في أن الحقّ لم يصبه الناس في كل وجوهه، ولا أخطأوه في كلّ وجوهه]. وقد نقل التوحيدي تعليق أبي سليمان على القصة موجزًا مفصحًا عن دروس القصة على النحو التالي: “هذا مثلٌ يشتمل على نكت حسنة مفهومة لا خفاء بها عند من سمعها بتحصيلٍ، ويؤيدها ببيان. قال: ولهذا لا تجد عاقلاً في مذهبٍ يقولُ شيئًا إلاّ وهناك ما قد اقتضاه ذلك بحسب نظره السابق إلى قلبه، والملائم لطبعه، والموافق لهواه، ولكن البارع المتسع المحصل له المزيد في السبق.

كذلك أورد القصّة الإمام أبو حامد الغزّاليّ في إحياء علوم الدين الجزء الرابع في كتاب التوبة تحت عنوان “بيان وجوب التوبة وفضلها” نشرة دار الكتب العربية الكبرى ص 6، وعلّق بعد ذكر القصّة قائلاً: فكلّ واحدٍ من هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كلُّ واحدٍ عمّا أصابه من معرفة الفيل، ولم يخرج واحدٌ في خبره عن وصف الفيل ولكنهم بحملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل، فاستبصر بهذا المثال واعتبر به، فإنه مثالٌ أكثر ما اختلف الناس فيه وإن كان هذا كلامًا يناطحُ علوم المكاشفة ويحرك أمواجها”.

كذلك أورد القصّة الحكيم سنائي في حديقة الحقيقة وشريعة الطريقة، الترجمة العربية للعلاّمة المصري إبراهيم الدسوقي شتا، نشرة دار الأمين، القاهرة 1995م ص 33-34 عنونها بقوله: التّمثيلُ في شأن “من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى” وختمها بأبياته الشعرية الثرية قائلاً: فليس لقلبٍ اطلاعٌ على الكلِّ ..ولا يكون العلم رفيقًا لأعمى قطّ .. كان للجميع خيالٌ محال، وقد صنعوا جميعًا ما صنع الأبله بالجوال.. فليس للخلق اطلاعٌ على الإله، وليس للعقلاء طريقٌ إلى هذا الكلام!

  • راجع: مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا، نشرة القاهرة ص 123-124. وقارن: محمد المحمدي “قصص المثنوي” نشرة دار المحجّة البيضاء ط 1998 ص 145-146.