د. حمد بن أحمد السعدي – أستاذ القانون المدني المساعد بكلية الحقوق جامعة الشرقية
hamed.alsaadi@asu.edu.om
لا يكفي الاتفاق على البيع بشرط التجربة وحده لترتيب آثاره القانونية، بل يتطلب الأمر مراعاة مجموعة من الشروط والضوابط التي تكفل ممارسة المشتري لحقه في التجربة، وتحول دون إساءة استعماله أو إبقاء مصير البيع معلقاً إلى أجل غير محدد. وقد نظم قانون المعاملات المدنية العُماني هذه المسائل في المواد (360–366)، محدداً التزامات البائع والمشتري، والآثار المترتبة على ممارسة حق التجربة أو الامتناع عن ممارسته.
ويشترط لإجراء البيع بشرط التجربة اتفاق الطرفين على هذا الشرط، فلا يجوز للمشتري أن ينفرد بفرضه على البائع بعد إبرام عقد البيع. ويستفاد ذلك من نص المادة (360) التي أجازت البيع بشرط التجربة مع الاتفاق على مدة معلومة، بما يؤكد أن التجربة تستند إلى توافق إرادة المتعاقدين، سواء ورد الاتفاق عليها ضمن عقد البيع أو في اتفاق لاحق بينهما.
كما ينبغي أن يكون المبيع محدداً تحديداً كافياً يرفع الجهالة عنه، وذلك وفقاً للقاعدة العامة التي قررتها المادة (356) من قانون المعاملات المدنية، التي أوجبت أن يكون المبيع معلوماً لدى المشتري علماً نافياً للجهالة الفاحشة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في البيع بشرط التجربة، إذ يتعين معرفة الشيء الذي تنصب عليه التجربة والخصائص المراد التحقق منها، حتى لا ينشأ خلاف بين الطرفين بشأن نطاق الاختبار والغرض منه.
ومن الشروط المهمة كذلك تحديد مدة التجربة، إذ نصت المادة (360) على جواز البيع بشرط التجربة مع الاتفاق على مدة معلومة، فإذا سكت المتعاقدان عن تحديدها في العقد حُملت على المدة المعتادة. ويعني ذلك أن عدم تحديد المدة لا يؤدي إلى بطلان البيع، وإنما يُرجع في تقديرها إلى ما جرى عليه العرف، مع مراعاة طبيعة المبيع وما تتطلبه تجربته. فمدة تجربة السيارة، على سبيل المثال، قد تختلف عن المدة اللازمة لاختبار آلة صناعية، والعبرة بأن تكون المدة كافية للتحقق من صلاحية المبيع دون إطالة غير مبررة.
وفي مقابل حق المشتري في التجربة، ألزمت المادة (360) البائع بتمكينه منها، فلا يجوز للبائع أن يحول دون إجراء الاختبار أو يضع عقبات تعوقه عن التحقق من المبيع. ويترتب على ذلك أن يكون المشتري قادراً على إجراء التجربة بصورة فعلية، وفي الحدود التي تتناسب مع طبيعة الشيء المبيع والغرض المتفق عليه.
وقد كفلت المادة (361) للمشتري حق إجازة البيع أو رفضه خلال مدة التجربة، حتى وإن لم يكن قد أجرى التجربة فعلياً، واشترطت في حالة الرفض إعلام البائع. ومؤدى ذلك أن المشتري يملك اتخاذ قراره بشأن المبيع خلال المدة المحددة، دون أن يكون ملزماً بتبرير رفضه بإثبات عدم صلاحية المبيع، ما دام قد مارس حقه في المدة المقررة وأعلم البائع برفضه.
ولضمان استقرار المعاملات، لم يترك المشرّع مصير البيع معلقاً إلى أجل غير محدد، فنصت الفقرة الثانية من المادة (361) على أنه إذا انقضت مدة التجربة وسكت المشتري، مع تمكنه من تجربة المبيع، اعتُبر سكوته قبولاً ولزم البيع إذا كان المبيع في يده. ومن ثم، فإن السكوت لا يُعد قبولاً في جميع الأحوال، وإنما يتطلب توافر الشروط التي حددها النص، وفي مقدمتها انتهاء مدة التجربة وتمكين المشتري من إجرائها وبقاء المبيع في حيازته.
كما نظم المشرّع تبعة هلاك المبيع خلال فترة التجربة، فنصت المادة (362) على أنه: “إذا هلك المبيع في يد المشتري بعد تسلمه لزمه أداء الثمن المسمى للبائع، وإذا هلك قبل التسليم بسبب لا يد للمشتري فيه يكون مضمونا على البائع”، ويتضح من ذلك أن تسلم المبيع يمثل معياراً مهماً في تحديد الطرف الذي يتحمل تبعة هلاكه، إذ يختلف الحكم بحسب وقوع الهلاك قبل التسليم أو بعده.
ولم يغفل القانون الحالات التي يتعذر فيها على المشتري ممارسة حق الاختيار بنفسه، فنصت المادة (364) على أنه إذا فقد المشتري أهليته قبل إجازة البيع، وجب على الولي أو الوصي أو القيم اختيار ما هو في صالحه. كما عالجت المادة (365) حالة وفاة المشتري قبل إعلان اختياره، فنقلت حق التجربة إلى الدائن إذا أحاط دينه بمال المشتري، وإلا انتقل الحق إلى الورثة، فإذا اتفقوا على إجازة البيع أو رده لزم ما اتفقوا عليه، وإذا أجاز بعضهم البيع ورده الآخرون لزم الرد.
ومن الضوابط التي يتعين على المشتري مراعاتها عدم تجاوز الغرض من التجربة في استعمال المبيع، إذ نصت المادة (366) على أنه: “لا يجوز للمشتري أن يستعمل المبيع في مدة التجربة إلا بقدر ما تتطلبه التجربة على الوجه المتعارف عليه، فإذا زاد في الاستعمال زيادة لا يقصد منها التجربة لزم البيع”. ومثال ذلك أن يتسلم المشتري سيارة لتجربتها والتحقق من كفاءة محركها وأجهزتها وسلامة قيادتها، فيجوز له قيادتها بالقدر الذي تقتضيه التجربة، لكن لا يجوز له استخدامها في تنقلاته اليومية أو استغلالها لأغراض شخصية لا تتصل باختبارها؛ لأن ذلك يتجاوز الغرض الذي منحت التجربة من أجله. فإذا تجاوز المشتري حدود الاستعمال المألوف للتجربة على هذا النحو، لزم البيع وفقاً لحكم المادة المشار إليها. وبذلك لا يكون للمشتري أن يتخذ من التجربة وسيلة للانتفاع بالمبيع دون الالتزام بالشراء، وإنما يقتصر استعماله على القدر اللازم للتحقق من صلاحيته.
وأخيراً، قررت المادة (363) أن حكم البيع بعد التجربة والرضا بالمبيع يسري من تاريخ البيع، وهو ما يعني أن إجازة المشتري لا تنشئ عقداً جديداً، وإنما تؤكد استقرار البيع السابق وتسري آثاره من تاريخ إبرامه.
وهكذا يتضح أن المشرّع العُماني لم يكتفِ بإقرار حق المشتري في تجربة المبيع، وإنما أحاط هذا الحق بضوابط تكفل ممارسته بصورة متوازنة، فتحمي المشتري من الالتزام بشراء مبيع لم يتحقق من صلاحيته، وتحمي البائع في الوقت ذاته من التعسف في استعمال حق التجربة أو إبقاء البيع معلقاً دون مبرر. وهو ما يعكس حرص التنظيم القانوني على تحقيق التوازن بين مصالح المتعاقدين وتعزيز استقرار المعاملات المدنية.
إن المعرفة القانونية الصحيحة هي الضمان الأول لاستقرار المعاملات وصيانة الحقوق.
