عادل الحمداني
أشعر أن ما استعدته من ذكرياتي مع فقيد الإعلام، أحمد بن درويش، ما يزال أقل من أن يروي شوق الذاكرة إليه. لم أكن أتصور أنه سيرحل بهذه السرعة، على نحو مباغتٍ، ومن دون مقدمات، تاركًا في قلوب محبيه وأصدقائه غصةً وندوبًا لا تبرأ بسهولة. وما يزال هاجس الكتابة حاضرًا في داخلي، يدفعني بين حين وآخر إلى البوح ببعض ما أريد قوله عنه، وكأن الكلمات محاولة متأخرة للاحتفاظ بشيء من أثره الجميل بيننا.
وفي لحظة عابرة، ظهر على شاشة هاتفي منشور للصحافية المصرية إيمان الوراقي تتحدث فيه عن تجربة إنسانية مرّت بها، ثم اختتمته بعبارة تقول: “بعض الناس لا يعبرون حياتنا مرورًا عابرًا، يتركون علامة، وتظل بيننا وبينهم مسافة من المحبة لا يطويها الزمن”.
توقفت طويلًا أمام هذه العبارة، وشعرت أنها تنطبق على الأحياء بيننا كما تنطبق على أولئك الذي غادروا الأرض بأجسادهم، لكنهم بقوا حاضرين في القلوب والذاكرة. فهناك أشخاص يبقى أثرهم الإنساني ممتدًا في تفاصيل الحياة، وفي ذاكرة من عرفوهم وأحبوهم.
وحين تابعت مشاعر الناس وحديثهم عن أحمد درويش، ورأيت ما كان يفيض من عيونهم من حزن ومحبة، أدركت أن الكلمات تعجز عن توصيف حجم المكانة التي شغلها في قلوبهم. كان من الصعب وصف تلك المشاعر أو نقلها كاملة، لكنها، في مجملها، تكشف حجم القرب الذي حظي به، وكم كان صديقًا للجميع، قريبًا من الناس على اختلاف مواقعهم وطبائعهم.
ولعل أكثر ما أعجب الناس فيه، وأكسبه هذا التقدير الصادق، أنه لم يكن يحمل في قلبه أذى لأحد، ولم يُعرف عنه أنه بادر إلى الإساءة أو ردّها بمثلها، رغم ما تعرض له أحيانًا من مضايقات ومناكفات لم تكن سهلة على النفس. ذات مرة، عبّر، بصدق يعرفه من عاشره، عن قناعته بأن بإمكانه أن يتحمل الإساءة أو الظلم الواقع عليه، لكنه لا يقبل أن يكون سببًا في أذية إنسان آخر أو جرح مشاعره.
كان يختار الانزواء على الدخول في الخصومات، ويؤثر الصمت على الانجرار إلى الردود القاسية، رغم أن كثيرين كانوا سيعذرونه لو دافع عن نفسه أو رد على من أساء إليه. تلك كانت طبيعته التي تشكلت مبكرًا؛ منذ سنوات طفولته في الحارة وبين أبناء مجتمعه، ثم رافقته في مراحل عمره المختلفة، وظلت سمةً ملازمة له بين زملائه ورفقائه في العمل والحياة.
لقد كان من أولئك العابرين الذين لا يعبرون حقًا، أولئك الذين يغادرون المشهد، لكنهم يتركون وراءهم أثرًا أعمق من الغياب، وذكرى أجمل من أن يطويها الزمن. فبعض البشر لا يُقاس حضورهم بعدد السنوات التي عاشوها بين الناس، وإنما بما زرعوه من محبة وصدق ونبل في القلوب، وهي أشياء تبقى، حتى بعد أن يرحل أصحابها.
يشعر كلُّ واحدٍ منّا بثقل فقدان الأحبة، فالفراق من أقسى التجارب التي تعبر النفس وتترك فيها ندوبًا لا يمحوها الزمن. وكما قيل، فإن رحيل شخص عزيز يترك أثرًا غائرًا في حياة من عرفوه وأحبوه، أثرًا يتجاوز حدود الغياب ليغدو جزءًا من ذاكرتهم ووجدانهم. ومن هنا تنفتح أبواب التأمل في سير أولئك الراحلين الذين مرّوا في حياتنا يومًا، ثم مضوا تاركين وراءهم ما هو أبقى من الحضور نفسه. وكلما استغرقنا في استحضار ذكراهم ازددنا يقينًا بأن بعض الناس يتركون في الأوراح أثرًا لا يقدر الغياب على انتزاعه، ولا تستطيع الأيام أن تطفئ وهجه.
ثمة تفاصيل صغيرة قد تبدو في ظاهرها عابرة، لكنها كثيرًا ما تكون أبقى ما يظل حيًا بعد الرحيل؛ دمعةٌ رجل أثقله الحزن على فراق صديقه، أو حديث شخص يستعيد مآثر إنسان غيّبه الموت على حين غرة، أو ذكرى عابرة لتواضعه، ونبل خلقه، وطيب معشره، وابتسامته التي كانت تسبق كلماته إلى القلوب. تلك التفاصيل البسيطة ليست مجرد ذكريات متناثرة، بل شهادات صامتة على قيمة الإنسان الحقيقية، ودلائل ناطقة بمكانته التي احتلها في قلوب الناس ومحبتهم.
وقد تخفت الأصوات، وتنفضّ مراسم الوداع، ويستأنف العالم إيقاعه المعتاد، لكن الرحلة الأعمق تبدأ عندئذ داخل الذاكرة. هناك يعود الصوت الذي ألفناه، والابتسامة التي اعتدناها، والأحاديث التي أثرت أيامنا، والمواقف التي نسجت خيوط المودة بيننا وبين الراحل. وهناك ندرك، في لحظة صفاء مؤلمة وجميلة في آن واحد، أن بعض الراحلين لا يغادرون حياتنا حقًا، وإنما ينتقلون إلى صورة أخرى من الحضور؛ حضور تسكنه الذكرى، ويحفظه الوفاء، وتحييه المحبة كلما مرّ طيفهم في الخاطر.
أحمد درويش كان واحدًا من أولئك الذي يرحلون بأجسادهم ولا يبرحون القلوب. يغادر الطريق، لكن أثر خطاه يبقى ماثلًا فيه، شاهدًا على مرور إنسان ترك بصمته حيث حلّ. ويغيب عن الأبصار، لكنه يستقر في مواضع أعمق من النظر وأبقى من المشهد؛ في القلب، وفي الوجدان، وفي ذاكرة الأيام التي تأبى أن تنساه.
