بدر بن محفوظ القاسمي
قبل أيام، احتفت وزارة الإعلام بكوكبة من المبدعين الذين استحقوا التكريم في مسابقة الإجادة الإعلامية لعام 2026، في مشهد جميل يبعث على الاعتزاز بما تزخر به سلطنة عُمان من عقول تصنع بالكلمة وعيًا، وبالصورة حكاية، وبالصوت أثرًا يبقى في الوجدان، حتى يصبح الإعلام أكثر من وسيلة لنقل الأحداث؛ يصبح شاهدًا على الحياة، وشريكًا في تشكيل الوعي، وذاكرة تحفظ للأوطان تفاصيل رحلتها.
ولعل أجمل ما في تلك المناسبة أنها لم تكن احتفاءً بالأشخاص وحدهم، بل بما أنتجته عقولهم، وصاغته أقلامهم، ورصدته عدساتهم، وقدّمته أصواتهم إلى المجتمع.
غير أن سؤالًا ظل يرافقني وأنا أتأمل ذلك المشهد:
هل ينبغي للمبدع أن يتقدم طالبًا الاعتراف بإبداعه، أم أن الإبداع الحقيقي يستحق أن يُكتشف دون أن يطرق صاحبه باب المسابقة؟
فقد يكون بيننا كاتب يزرع الوعي في العقول منذ سنوات، وصحفي يكشف بتحقيقه قضية ظلت خلف الأبواب، وصانع محتوى يحوّل مشكلة اجتماعية مهملة إلى نقاش عام، ومذيع يترك في وجدان مستمعيه أثرًا أبقى من زمن بثه.
وقد تمر هذه الأعمال جميعها خارج دائرة المنافسة، لا لقصور في جودتها، وإنما لأن أصحابها لم يتقدموا بطلب للمشاركة.
فهل يغيب الإبداع عن منصة التكريم لمجرد أن صاحبه لم يملأ استمارة؟
وهنا تكمن المسافة بين جائزة تنتظر المبدع، وجائزة تبحث عنه.
حين تصبح الجائزة باحثة عن الإبداع
إن الجهود التي تبذلها وزارة الإعلام في تطوير مسابقة الإجادة الإعلامية تستحق التقدير، غير أن التطوير، في تصوري، يمكن أن ينتقل بها إلى مرحلة أوسع؛ مرحلة لا تكتفي باستقبال المشاركات، بل تبحث عن الأعمال المتميزة وتكتشفها وتتابع أثرها.
ولعل من المناسب دراسة إنشاء «المسار الوطني لاكتشاف الأثر الإعلامي»، بوصفه منظومة مهنية مكملة للمسابقة، تتولى من خلالها فرق متخصصة متابعة الإنتاج الإعلامي المنشور، بالتعاون مع المؤسسات الصحفية والأكاديمية والجمعيات المهنية، مع إتاحة ترشيحات الجمهور، دون اشتراط تقدم صاحب العمل بنفسه.
ولا يعني ذلك إلغاء معايير المنافسة، بل توسيع ميدانها؛ فالمسابقة التي تستقبل الأعمال تختار أفضل ما وصل إليها، أما التي تبحث عن الإبداع فتمنح نفسها فرصة اكتشاف ما لم يصل.
وليس كل ما يشتهر يستحق التكريم، كما أن كثيرًا مما يستحق التكريم لم ينل حظه من الشهرة.
فقد يترك مقال يقرؤه ألف شخص أثرًا أعمق من مقطع يشاهده مليون، ثم يختفي من الذاكرة مع أول مقطع جديد.
إن انتشار العمل دليل على وصوله، لكنه ليس دائمًا دليلًا على قيمته.
ماذا يحدث بعد أن ينتهي المقال؟
وهنا أصل إلى جانب أراه أكثر أهمية من مجرد اختيار الفائزين.
فنحن اعتدنا أن نسأل عن جودة العمل الإعلامي ساعة نشره، لكننا قلما نعود إليه بعد أشهر لنسأل:
ماذا حدث بعد أن انتهى المقال، أو انطفأت الشاشة، أو سكت الميكروفون؟
هل أيقظ فكرة؟ هل صحح مفهومًا؟ هل كشف حقيقة؟ هل دفع المجتمع إلى إعادة النظر في قضية اعتاد المرور بها دون انتباه؟
أم أنه مرّ سريعًا، ولم يترك خلفه سوى أرقام المشاهدات؟
ومن هنا يمكن أن تنشأ مبادرة «حصاد الأثر الإعلامي»، لتوثيق الأعمال التي أحدثت إضافة معرفية أو اجتماعية أو ثقافية، مع الاعتراف بأن بعض آثار الإبداع لا تقاس بالأرقام، وإنما بما تتركه في العقول والوجدان.
وثمة فرصة أخرى لا تقل أهمية؛ فإذا كنا سنرصد ما يقدمه الإعلام من إبداع، فلماذا لا نستفيد من هذا الرصد في اكتشاف ما أهمله الإعلام نفسه؟
قد نجد قضايا اجتماعية واقتصادية لم تحظَ بالمعالجة الكافية، أو تجارب إنسانية في ولاياتنا لم تجد من يرويها، أو أفكارًا تستحق أن تتحول إلى تحقيقات وبرامج وحوارات.
ولماذا لا تنشأ «خريطة الفجوات والفرص الإعلامية»، لتكون موردًا معرفيًا اختياريًا أمام الصحفيين وصنّاع المحتوى، تكشف الموضوعات التي تنتظر أقلامهم وعدساتهم، دون أن تملي عليهم ما ينبغي أن يقولوه؟
عندها لا تعود الجائزة نهاية لعمل أُنجز، بل قد تصبح بداية لأعمال لم تُنجز بعد.
من منصة التكريم إلى صناعة المبدعين
وإذا كان اكتشاف الإبداع خطوة مهمة، فإن الاستثمار فيه خطوة أكثر استدامة.
فما الذي يمنع أن يتحول التحقيق المتميز إلى مشروع صحفي أوسع، وأن يجد صاحب المقال الأصيل فرصة لنشر أفكاره بلغات أخرى، وأن يحظى صانع المحتوى الواعد بفرصة تدريب أو إنتاج تفتح أمام موهبته آفاقًا جديدة؟
ولعلنا نستطيع أن نتصور «مختبر الفكرة التالية»، وهو برنامج يستثمر في تطوير أعمال جديدة لأصحاب المواهب التي اكتشفتها المنظومة، سواء فازوا بالجائزة أم لم يفوزوا.
فالمبدع لا يحتاج دائمًا إلى درع يعلقه على جدار مكتبه؛ فقد تكون أعظم مكافأة له أن يجد من يسانده في صناعة إنجازه القادم.
فما قيمة أن نكتشف موهبة، ثم نتركها تعود وحدها إلى الطريق الذي جاءت منه؟
وتكتمل هذه المنظومة بذاكرة وطنية للإبداع الإعلامي، لا تكتفي بحفظ أسماء الفائزين وصور احتفالاتهم، وإنما توثق الأعمال المتميزة، وتحفظها بالتنسيق مع أصحاب حقوقها، وتتيح دراستها للأجيال المقبلة.
ويمكن للتقنيات الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي، أن تساعد في البحث والفهرسة وتصنيف الإنتاج الإعلامي، على أن يبقى الحكم على قيمة العمل بيد الإنسان، وفق معايير معلنة ولجان مستقلة تضمن عدالة المنافسة ونزاهة الاختيار.
ولعل عام 2027 يكون بداية مناسبة لتجربة هذا المسار في مجالات المقال والتحقيق الصحفي وصناعة المحتوى الرقمي، قبل التوسع التدريجي في بقية المجالات.
ولا أرى ضرورة لإنشاء جهاز إداري كبير منذ البداية؛ إذ يمكن البناء على الإمكانات القائمة والشراكات المهنية، ثم قياس نجاح التجربة بما اكتشفته من أعمال، وما أتاحته من فرص، وما أضافته إلى المشهد الإعلامي.
والجائزة… إلى أين تمضي؟
إنني لا أطرح هذا التصور اعتراضًا على مسابقة قائمة، ولا انتقاصًا من استحقاق الفائزين، وإنما أراه امتدادًا لطموح إعلامي يستحق أن يواصل تطوره.
فالإجادة ليست مناسبة موسمية، والإبداع لا ينتظر موعد فتح باب التسجيل.
وليس المطلوب أن تختفي استمارة المشاركة، وإنما ألا تكون الطريق الوحيدة إلى الجائزة؛ فالأبواب يمكن أن تبقى مفتوحة لمن أراد التقدم، وفي المقابل تكون للجائزة عين قادرة على اكتشاف من لم يتقدم.
إننا بذلك لا نوسع دائرة التكريم وحدها، وإنما نمنح الحركة الإعلامية فرصة للتعرف إلى مواهبها، والاستفادة من أعمالها، واستشراف ما تحتاج إليه في المستقبل.
وأخيرًا…
أبارك لكل من اعتلى منصة التكريم، ولكل من اجتهد وأضاف إلى المشهد الإعلامي العُماني عملًا يستحق التقدير، سواء حمل جائزة أم لم يحمل.
وإلى وزارة الإعلام أضع هذا المقترح إيمانًا بأن المؤسسات التي تنجح في تكريم المبدعين تستطيع أن تذهب أبعد، فتجعل من اكتشافهم وتنمية مواهبهم واستثمار أثرهم مشروعًا مستمرًا.
وما أجمل أن يستيقظ كاتب ذات صباح على رسالة تخبره بأن مقالًا نشره قبل أشهر استوقف لجنة مهنية، أو أن يجد صحفي من يدعم استكمال تحقيق بدأه، أو أن يُفاجأ صانع محتوى بفرصة لم يسعَ إليها، لأن أحدًا لم يكتفِ بعدّ مشاهداته، بل قرأ ما وراءها.
عندها لن تكون الجائزة مجرد موعد لإعلان الفائزين، بل نافذة تُفتح منها أبواب أخرى للإبداع.
فالجائزة التي تكتفي بتكريم العمل الجيد تحتفي بما أنجزناه، أما الجائزة التي تكتشفه وتنمّيه وتستثمر أثره، فإنها تسهم في صناعة ما سننجزه غدًا.
وربما آن الأوان ألا نسأل المبدع وحده: لماذا لم تتقدم إلى الجائزة؟
بل أن نسأل الجائزة أيضًا: كم من إبداع مرَّ أمامك ولم تكتشفيه؟
