مطر بن سالم الريامي
في صباح يوم اعتيادي، تلقّى موظف أمضى خمسة عشر عاماً في خدمة مؤسسته رسالة مقتضبة تُبلغه بإنهاء خدماته ضمن إجراءات إعادة الهيكلة، لم يكن القرار وحده ما أثقل عليه، بل الطريقة التي اختُزلت بها سنوات قدمها من العطاء والانتماء في بضعة أسطر، دون لقاء إنساني أو كلمة تقدير، وهنا يبرز سؤال قيادي عميق: هل تنتهي مسؤولية المؤسسة تجاه الإنسان بمجرد انتهاء حاجتها إلى خدماته؟
فلطالما انشغلت بعض المؤسسات بفنون استقطاب الكفاءات، وتحفيز الموظفين، وبناء الولاء المؤسسي، لكنها قلّما أولت الاهتمام ذاته لأخلاق النهايات المهنية، رغم أن طريقة مغادرة الموظف قد تكشف عن ثقافة المؤسسة وقيمها أكثر مما تكشفه سنوات عمله فيها، وتؤكد الدراسات البحثية أهمية العدالة التنظيمية في بناء الثقة؛ فقد أظهرت دراسة Cohen-Charash وSpector (2001)، التي شملت تحليلاً لـ190 عينة بحثية، ارتباط العدالة التنظيمية بالرضا والثقة والالتزام الوظيفي، كما كشفت دراسة Grubb (2006) عن علاقة إيجابية بين عدالة إجراءات التسريح والتزام الموظفين الذين بقوا في مؤسساتهم، فالقرار لا يؤثر في المغادر وحده، بل يمتد أثره إلى زملائه الذين يراقبون كيف تتعامل المؤسسة مع من أفنوا سنوات في خدمتها.
وفي الواقع العُماني، تكتسب هذه القضية أهمية متزايدة مع التحولات الاقتصادية والإدارية، وإعادة هيكلة بعض المؤسسات، وانتهاء العقود الوظيفية في قطاعات مختلفة، وهنا يتجلى ارتباطها بـرؤية عُمان 2040، التي تجعل الإنسان محور التنمية ، فنجاح المؤسسات لا ينبغي أن يُقاس بمؤشرات الإنتاجية وحدها، بل أيضاً بمدى عدالتها واحترامها للإنسان في مختلف مراحل رحلته المهنية.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية تبني «ميثاق النهايات المهنية الكريمة» في المؤسسات العُمانية، يقوم على وضوح القرارات، وحفظ الحقوق، واحترام الموظف عند إبلاغه، وتقدير إسهاماته، وتقديم المساندة المهنية الممكنة، فالقانون يحفظ الحقوق وينظم الإجراءات، أما القيادة الإنسانية فتمنح تلك الإجراءات روحها الأخلاقية.
إن القيادة الحقيقية لا تعني تجنب القرارات الصعبة، بل اتخاذها بحزم وتنفيذها بعدل واحترام، ولعل السؤال الذي يستحق أن يتوقف عنده كل قائد هو: كيف سيتذكرني الموظف الذي غادر مؤسستي؟ هل سيتذكر قسوة القرار، أم إنسانية التعامل معه؟ فقد ينسى الموظف تفاصيل سنوات عمله، لكنه نادراً ما ينسى الطريقة التي ودّعته بها مؤسسته.
إن عظمة القيادة لا تُقاس فقط بالأبواب التي تفتحها للناس، بل بالطريقة التي تغلق بها الأبواب دون أن تكسر كرامة من عبروا منها؛ فالأدوار تنتهي، والعقود تنقضي، أما قيمة الإنسان فتبقى .
