أحمد بن ناصر الراشدي
ما نشهده في الآونة الأخيرة على بعض مواقع التواصل الاجتماعي ولا سيما منصة X من تباين في الآراء ونقاشات حادة بين أبناء دول مجلس التعاون الخليجي دفعني الى الابتعاد قليلاً عن هذه المنصات، إيماناً بمبدأ (اعتزل ما يؤذيك).
ليس معيباً أن يختلف أبناء الخليج في الرأي، فذلك أمر طبيعي، لكن ما يستحق التأمل هو الطريقة التي نعبر بها عن اختلافاتنا ومدى حرصنا على أن تبقى كلماتنا في إطار الاحترام المتبادل، وألا تؤثر لحظة انفعال في علاقات إنسانية واجتماعية امتدت عبر أجيال.
كما هو معلوم منذ الأزل بأن شعوب الخليج ترتبط فيما بينها بروابط تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة، وما يجمع أبناء الخليج من وحدة اللغة والدين والقيم والعادات والتقاليد والامتدادات الأسرية أكبر بكثير من أي خلاف وقتي قد ينشأ في منصات رقمية مفتوحة لسبب او لآخر.
ومن المؤسف أن تتحول بعض الآراء الفردية إلى أحكام عامة تتأثر بها شريحة كبيرة من أفراد المجتمع ومن الشباب بشكل خاص تُلصق بالشعوب والدول، بما يؤدي إلى تأجيج الاحتقان وإضعاف أواصر الأخوة. مثل هذه التعميمات قد تترك اثاراً سلبيه في وعي الاجيال الناشئة وتصوراتها عن المجتمعات الأخرى.
ما يجمعنا ليس شعاراً إنشائياً. أنا عماني، وزميل دراستي سعودي، وأعز أصدقائي كويتي، وغيرها من العلاقات الاجتماعية، هذه ليست مبالغة، هذه هي بيوتنا جميعاً. اللغة واحدة، والدين واحد، وحتى عتابنا لبعضنا له نفس المفردات. فكيف نسمح لتغريدة غاضبة كتبها مراهق في لحظة انفعال أن تختزل كل هذا التاريخ في صورة نمطية قبيحة؟
تعلمنا في عملنا الحقوقي قاعدة بسيطة، حرية التعبير حق، لكنها تنتهي عند التعدي على كرامة الآخر. أن تسئ الى شعب بأكمله بسبب رأي فرد لا يمثله، هذا ليس تعبيراً، هذا تجاور صريح. وأن تتطاول على رمز وطني يمثل وجدان شعب، أنت لا تنتقد سياسة، أنت تطعن في كرامة.
والأخطر من كل هذا هو ما نزرعه في عقول أبنائنا. طفل عمره 13 سنة اليوم، ماذا سيفهم عن جاره الخليجي إذا كان كل ما يراه هو مقاطع سخرية وتراشق؟ نحن نصنع بأيدينا جيلاً يرى الانقسام طبيعياً، بينما آباؤنا دفعوا ثمن الوحدة دماً.
عام 1990. في احداث الكويت، لم يجتمع مجلس الأمن قبل أن تجتمع بيوتنا. فتحت البيوت في مسقط والرياض والدوحة قبل أن تفتح المعسكرات. وتذكروا تأسيس مجلس التعاون في 1981. الآباء المؤسسون لم يكونوا يوقعون أوراقاً فقط، كانوا يبنون سقفاً واحداً نستظل به جميعاً عند العاصفة.
وقتها اصطف الخليج على خط واحد دفاعاً عن سيادة الدول واستقرار المنطقة.
ومن هنا، فإن ما حققه قادة دول المجلس من جهود في ترسيخ التضامن الخليجي يستوجب من الشعوب أيضاً المحافظة على هذا الإرث، وترجمة معانيه في خطابها اليومي، لا سيما في الفضاء الرقمي، بعيداً عن الإساءة والتراشق الذي نراه في وقتنا الحاضر. وهذا دور منوط بنا جميعا وكلنا مسؤولون.
وفي الجانب الاخر والمتتبع لما يحاك لدول الخليج من مكايد يجد أن الخطاب المسيء في الفضاء الرقمي يمنح الفرصة لمن يسعى إلى بث الفرقة وإضعاف روح التضامن والتكامل بين شعوب المنطقة، لذلك وفي ظل الظروف الجيوسياسية الحالية أصبحنا كشعوب خليجية وعربية بحاجة الى بعضنا البعض أكثر من أي وقت مضى.
ختاماً، إن أبناء الخليج العربي أسرة واحدة مهما اختلفت الآراء وتباينت المواقف. وإن الواجب الأخلاقي يحتم علينا جميعاً أن نجعل من منصات التواصل الاجتماعي جسوراً للتقارب والتفاهم، لا منابر للتجريح والتناحر. فالكلمة مسؤولية، واحترام الكرامة الإنسانية واجب، ووحدة الشعوب الخليجية رصيد حضاري وتاريخي ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه للأجيال القادمة. فالخليج بيت واحد والبيت الواحد قد تختلف وتعلو فيه الاصوات لكنه يظل متماسكاً ما دامت المودة والرحمة أساس العلاقة الأخوية بين الجميع.
