خاص ـ شؤون وطنية
يرى عدد من الكتاب والمدونين أنه على الرغم من التطورات التقنية التي يشهدها العالم وظهور نماذج الذكاء الاصطناعي، تظل الكتابة الوسيلة الأساسية والأكثر تعبيرا عن المشاعر، إلى جانب كونها ركيزة أساسية من ركائز توثيق التاريخ والأحداث.
وأضافوا -في تصريحات لـ”شؤون وطنية”- أنه في عصر الصورة والتقنيات الحديثة لا يمكن الاستغناء عن الكتابة لأنها تشرح ما تعجز الصورة عن شرحه، وتنقل التجارب الإنسانية إلى الأجيال وتحولها إلى معرفة يتم تداولها عبر السنين.
ويقول الكاتب سلطان ثاني البحري: الكتابة قبل أي شيء هي أداة تفكير، ما نصل له ونحن نكتب لن نتوصل إليه ونحن نفكر في المخيلة أو بلغة أبسط التفكير بالكتابة أعمق بكثير من الأفكار المتطايرة في الهواء، الكتابة تعمق فهمنا وأفكارنا وتأصل المعنى في دواخلنا، هي ممارسة تصنع لياقة التعبير والانطلاق، هي طريق يوصلنا لمناطق جديدة في كل مرة، هي الملجأ الذي نحتاجه حين تضيف بنا الحياة.
وأضاف: تحررنا الكتابة من تراكم المشاعر ومن زحام الأفكار، وأجدها أكثر من ذلك تحررنا من قلق الوقت، ومن قلق مشاهدة مرور الوقت فارغا دون فكرة، الكتابة تملأ ذلك الصمت المرعب والفراغ الداخلي الواسع، هي عملية صناعة عوالم جديدة، يجد الكاتب فيها نفسها، ويجد فيها أفكاره، ويتوصل معها إلى بر أمان قبل أن يسافر في رحلة جديدة، تحررنا الكتابة من الجهل ومن عقدة الأفكار الناقصة ومن الفهم المنقطع، الكتابة تحررنا حين نكتب وحين نقرأ أيضا، ذلك أن القراءة كتابة أخرى للنص.
ويؤكد البحري: الكتابة لها فعل التعميق والتعمق في الفكرة، هي فعل ليس بالهين، وحتى إن كان الكاتب يجد فيها ملاذا ومنها يخرج بالأفكار هي كذلك أمر مرهق جدا، إرهاق الوعي وتعب البحث والتقصي، تعب الرحلة التي لا تشي بنهاية، بل في كل مرة تؤكد تشعبات الخيارات التي على الكاتب أن يعود لمفترق الطرق فيها حتى يتبع طريق فكرة أخرى، وكم من طريق يجده مسدود فيدرك أنه عليه معاودة الكرة، كما أن الكتابة أيضا توحي للكاتب بضرورة النشر والتغيير والتأثير، وهو أمر غالبا لا يتأتى للكاتب أن يبلغه ولا حتى يتاح له.
وأوضح: لسنا فقط نحفظ ذواتنا، بل نتوسع بعالمنا وما ندركه من حلونا، الكتابة تحفظ التاريخ والأحداث، وهي تراكم للتجربة الإنسانية وأداة اتصال بالحواس، فما نقرأه وقد كتب قبل قرون يصل إلينا بكل ما فيه من مشاعر وأحاسيس، بل وبقدرة على تصوير ما جرى وكيف جرى، وقدرة على رسم المشاهد مكتملة، حتى أن القارئ يسكن داخل النص، وما من شيء يحفظنا كالكتابة، وإذا كانت الصورة تخبرنا عن شكل الأشياء فالكتابة تخبرنا عن كيوننتها وماهيتها وأعماقها.
بدورها، ترى الكاتبة ليلى المعني والمختصة في أدب الطفل: ربما لأن الكتابة هي الرسالة الصادقة والتوثيق الحقيقي في كل الأزمان، منذ الأزل بقي القلم أداة حقيقية للإنسان ليكتب ويسجل عن ما يحدث حوله وما يريد أن يصل للمجتمع من رسائل سواء كانت توعوية أو ترفيهية، وستختلف الوسائط التي يستخدمها الإنسان، لكن حسب رأيي تبقى الكتابة هي الأصل في التعبير والتدوين والرسالة الروحية في عالم رقمي يمجد الاستهلاك المادي.
وتشير إلى أن الكتابة هي الأصل في فهم المشاعر والمعتقدات وإلا لماذا أصبحت هناك دورات تعليمية لتشجيع الناس على الكتابة والتدوين لأفكارهم ومخططاتهم؟، وعلى الرغم من أن سرعة الحياة الآن أبعدتنا عن القلم والقرطاس ولكن من يعود لها يعلم قوة وتأثير التعبير عن ما يدور في عقل وقلب الإنسان، مبينة: “فهمنا الكثير عندما قرأنا في السير الذاتية للحكماء وقصص الأنبياء على سبيل المثال وكل هذه القيم والأحداث وصلت لنا بسبب الكتابة والتوثيق. ولنعلم بالنهاية أننا جميعا بشر مهما اختلفت الثقافات والمبادئ التي نشأ عليها الشخص. لذلك ترى أن البوح يخفف عن الشخص الكثير من الضغوطات لأنه لا يزال يحاول فهم ما حدث وما يحدث حوله في الماضي والحاضر”.
وتؤكد أيضا: الكتابة هي الأصل في التعبير حتى الرسام أو المصور سيكون بحاجة للكتابة لشرح القطعة الفنية أو الصورة. ستمر علينا جميعا تجارب بحلوها ومرها والكتابة عنها تذكير بأننا بشر، ونتعامل مع الأحداث ربما بطرق متشابهة أو مختلفة ولكن بالنهاية هي إحدى وسائل التحرر. وسنكتب ويحق للجميع أن يكتب ويعبر ويترك آثرا ساميا لمن حوله، أو حتى يحتفظ بها لنفسه في يومياته الخاصة. ولا يمكننا الاعتماد على الذاكرة فقط فالأجيال القادمة ستشكرنا لأننا كتبنا عن أحداث اليوم، كما نحن اليوم نعتمد على مصادر قديمة لفهم ومعرفة أحداث كثيرة. فالحكمة منبعها التجارب الماضية وهي التي تم تدوينها والكتابة عنها في قصص السابقين لتكون مراجع للعلم والتعلم للباحثين والقراء بشكل عام.
وفي السياق، يقول المدرب سَعيد بن عيسى العبري، الكاتب والباحث في عالم الخيل والفروسية: في زمن الصورة والسرعة والذكاء الاصطناعي، أعتقد أن الكتابة أصبحت أكثر أهمية، لا أقل، فالصورة قد تنقل لك مشهدًا في لحظة، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج لك آلاف الكلمات خلال ثوانٍ، لكن الكتابة الحقيقية تمنح الإنسان فرصة للتفكير، والتأمل، وترتيب أفكاره،وتحويل تجربته إلى معرفة يمكن أن تبقى بعده.
ويذكر: نحن اليوم نعيش في زمن سريع جدًا؛ نرى ونمرّ وننسى. أما الكتابة فتجبرنا على أن نتوقف قليلًا، وأن نسأل: ماذا رأيت؟ ماذا تعلمت؟ وماذا أريد أن أترك للآخرين؟ وبالنسبة لي، الكتابة ليست مجرد جمع معلومات أو تسجيل أحداث، وإنما هي محاولة لفهم الحياة. فالكاتب عندما يكتب لا ينقل ما يعرفه فقط، بل ينقل جزءًا من تجربته ونظرته وأسئلته التي عاشها. ولهذا أرى أن قيمة الكتابة اليوم ليست في منافسة الصورة أوالذكاء الاصطناعي في السرعة، وإنما في تقديم شيء مختلف: فكرة لها معنى، وتجربة لها روح، وأثر يمكن أن يبقى، فالسرعة قد تجعلنا نصل إلى المعلومة أسرع، لكن الكتابة تساعدنا على أن نفهمها أعمق.
ويضيف: أعتقد أن الكتابة تحررنا من أشياء كثيرة؛ تحررنا من ازدحام الأفكار داخلنا، ومن بعض المشاعر التي لا نستطيع التعبير عنها بالكلام، ومن الأسئلة التي تظل تبحث عن إجابة. وأحيانًا لا نكتب لأننا نعرف ماذا نريد أن نقول، بل نكتب حتى نعرف ماذا نريد أن نقول. بالنسبة لي، الكتابة كانت في أوقات كثيرة وسيلة لفهم الحياة قبل أن تكون وسيلة للحديث عنها. عندما أكتب عن تجربة عشتها، أعود إليها من جديد، لكن هذه المرة بعين أكثر هدوءًا، فأكتشف فيها أشياء ربما لم أكن قادرًا على رؤيتها وأنا أعيشها. لذلك أعتقد أننا نكتب للأمرين معًا: نكتب أحيانًا لنقول ما عجزنا عن قوله، ونكتب أحيانًا أخرى لنفهم ما عجزنا عن فهمه.
ويبيّن بقوله: لا أعتقد أن الكتابة خلاص كامل، لكنها قد تكون إحدى الطرق التي تساعد الإنسان على حمل ما يثقل داخله. الكلمات لا تستطيع أن تمحو التجربة، ولا أن تغيّر الماضي، لكنها تستطيع أن تمنحنا فرصة للنظر إلى ما حدث من زاوية أخرى. أحيانًا عندما نكتب عن ألم عشنا معه، نشعر أننا لم نعد أسرى له كما كنا؛ لأننا أصبحنا قادرين على فهمه ووضعه في كلمات، وأحيانًا تكون الكتابة بداية للتصالح مع التجربة، وليس هروبًا منها.
كما يوضح: أنا شخصيًا أؤمن أن الإنسان لا يستطيع دائمًا اختيار ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار ماذا يفعل بما حدث له. وهنا تأتي الكتابة؛قد نحول تجربة مؤلمة إلى فكرة، والفكرة إلى معرفة، والمعرفة إلىشيء يمكن أن ينفع إنسانًا آخر. لكن للكتابة حدودها أيضًا. هناك أشياء لا تحلها الكلمات وحدها؛بعض التجارب تحتاج إلى وقت، وبعضها تحتاج إلى مواجهة،وبعضها تحتاج إلى مساعدة من الآخرين، والعمل الحقيقي يبدأ عندما تتحول الكلمات إلى فعل، لذلك لا أرى الكتابة خلاصًا من التجربة، وإنما أراها جسرًا نعبر بهمن مجرد المعاناة إلى فهمها، ومن فهمها إلى صناعة معنى منها.
واختتم العبري حديثه: أعتقد أن الكتابة تحفظ أكثر من ذواتنا؛ إنها تحفظ جزءًا من الزمنالذي عشنا فيه. ونحن عندما نكتب اليوم، لا نوثق أفكارنا ومشاعرنا فقط، بل نوثق أيضًا كيف كنا نرى الحياة، وما الذي كان يشغلنا، وما الذي كنا نؤمن به ونبحث عنه. وقد يقرأ إنسان بعد عشرات السنين كتابًا كُتب اليوم، فيتعرف من خلاله على إنسان لم يعشه، ومجتمع لم يره، وزمن لم يدركه. وهنا تتحول الكتابة من تجربة شخصية إلى ذاكرة مشتركة. وبالنسبة لي، لا أكتب فقط حتى يعرف الناس من هو سعيد العبري، وإنما أتمنى أن يعرفوا ماذا تعلم سعيد، وماذا رأى، وماذا اكتشف، وما الذي كان يتمنى أن يتركه لمن يأتي بعده. فالإنسان في النهاية يرحل، لكن بعض أفكاره وتجربته يمكن أنتبقى. ولهذا أعتقد أن السؤال ليس: هل ستبقى أسماؤنا بعد أن نكتب؟ بل: هل سيبقى في ما كتبناه شيء يستحق أن يُقرأ بعدنا؟ إذا استطعنا أن نترك فكرة نافعة، أو معرفة، أو تجربة تختصر على إنسان آخر شيئًا من الطريق، فهنا تصبح الكتابة ذاكرة تتجاوز صاحبها. فالكتابة بالنسبة لي ليست فقط أن نحفظ ذواتنا من النسيان، بل أن نترك أثرًا يستحق أن تتذكره الحياة.
من جهته، يشير الكاتب سالم بن صالح السيابي إلى أنه في ظل انتشار الفوضى الرقمية التي خلّفتها التقنيات الحديثة، يظل للكتابة بُعدٌ آخر يمس جوهر الإنسان؛ فرغم تبدل الأدوات وتطورها، يكتب المرء مدفوعًا برغبات عميقة تحرك كيانه وتترجم مشاعره، وتشغل حيزًا من الفراغ الذي يعيشه.
ويوضح أن الكتابة تحررنا من قيد العجز عن التعبير الشفهي؛ فما يقصر اللسان عن بوحه، تفيض به السطور. ونحن إذ نكتب، نترك خلفنا أثرًا من مشاعر جياشة مفعمة بالأحاسيس، تخلّد لحظاتنا الإنسانية.
ويقول إن الكتابة تأتي كبلسم يخفف العبء النفسي عن الإنسان؛ فمنذ الأزل، خطّ البشر الكلمات لإفراغ مستودع الذاكرة، وتوثيق ما يؤمنون به من أفكار ورؤى. وهي إذ تفعل ذلك، تبدد العزلة العاطفية التي تطوق الكيان الإنساني. غير أن قدرة الكتابة على التحرير التام قد تتوقف وتصطدم بالجدار، حين لا يجد هذا البوح عينًا ترعاه، أو إنسانًا يكترث بتلك المشاعر ويحتويها.
ويتابع قائلا: “الذي يبقى من الكتابة هو أصدق ما فينا: المشاعر، والأفكار، والأحاسيس الحية. نحن بالكتابة لا نحمي ذواتنا من النسيان الفوري فحسب، بل نشيّد ذاكرة ممتدة عابرة للزمن، لتهتدي بها الأجيال التي ستأتي من بعدنا”.
