سالم السيفي – شؤون وطنية
لقد بات جليا وواضحا في خضم عالم عصفت به التغيرات المتلاحقة، وتكشفت فيه ملامح مرحلة دقيقة تتكالب فيها الأزمات على المنطقة، تبرز القضايا الكبرى كاختبار حقيقي لصلابة المبادئ وثبات المواقف؛ وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي لطالما مثلت البوصلة الأخلاقية والوجدانِيّة الثابتة للسياسة العمانية.
فلم تساوم سلطنة عمان يوماً على حقوق الشعب الفلسطيني الشقيق، وظلت متمسكة بموقفها الراسخ الرافض لكل محاولات الالتفاف أو السقوط في فخ التطبيع المجاني على حساب مصلحة القضية أو تضحيات الشعب الفلسطيني، منطلقَة في ذلك من ثوابت إنسانية وأخلاقية وتاريخية لا تقبل المساومة ولا تخضع لضغوط اللحظة العابرة. هذا الموقف العروبي والأخلاقي الواضح يعكس تجذّر المبادئ الراسخة في السياسة العمانية التي تأبى الانجراف خلف التيارات العابرة، وتؤكد بوضوح أن الحق الفلسطيني ليس ورقة تفاوض بل هو قضية حق وعدالة.
ومن هذه المنظومة القيمية الصلبة، تنطلق سلطنة عمان كنموذج استثنائي وفريد في صلابة بنيتها الفكرية والاجتماعية؛ وهو ثبات لا يولد من فراغ، بل هو حصيلة تراكم تاريخي عميق ووعي جمعي ناضج يدرك تمام الإادراك أن الهوية العمانية ليست مجرد إرث عابر، بل هي سياج متين وقرار واعي بالبقاء. ومع ذلك، تطل بين حين وآخر الأقلام المأجورة والأبواق المستأجرة محاولةً العبث بهذا النسيج، متخيلة أن المجتمع العماني سهل الاختراق فكرياً، وأن الهجمات الممنهجة قادرة على إحداث خلخلة في تماسكه، وهي رهانات خاسرة تكشف عن جهل مطبق بطبيعة الإنسان العماني وجذور انتمائه.
إن الرهان على زعزعة الاستقرار الفكري والاجتماعي في عمان ينطلق من قراءة قاصرة ومبسترة تعاني منها دوائر صناعة الفوضى الإقليمية والدولية التي يغيب عنها أن المجتمعات المؤسسة على قواعد تاريخية صلبة وشراكة مجتمعية حقيقية لا تتأثر بالزوابع العابرة
وإن جميع محاولات النيل من الرموز العمانية ،عبر حملات مغرضة لا تعدو كونها فقاعات هوائية تتكسر أمام وعي وطني متقد؛ فالمجتمع العماني، بما يمتلكه من آليات دفاع ذاتية قائمة على التكافل والتلاحم المجتمعي المتجذر، يمتلك في المقابل مناعة فطرية ضد الأفكار الوافدة التي تستهدف هويته وثوابته. ومن يدرك طبيعة الأزمة وقصر نظر صانعيها، يرى بوضوح أن اشتداد هذه الحملات ماهو إلا نتاج يأس من قبل قوى لا تؤمن إلا بسياسة الاستقطاب وفوضى التأثير، متجاهلة أن العقل العماني محصن بالتجربة والاعتدال التاريخي.
وفي المقابل،بات الجميع يدرك كيف يسطع الدور السياسي العماني كمرتكز أساسي يثبت يوماً بعد يوم أن الحكمة والدبلوماسية العقلانية هما السلاح الأبقى في عالم مليء بالأزمات المشتعلة. مما بات جلياً وواضحاً أن السياسة العمانية تظل هي المحطة الآمنة التي تنطلق منها أبجديات الدعوة إلى تحكيم منطق العقل والحكمة؛ بما تتمتع به الدبلوماسية العمانية من نظرة ثاقبة وقراءة تاريخية دقيقة لمجريات الأمور،
والذي بدون أدنى شك مكنتها من استشراف المآلات قبل وقوعها والتعامل مع أعقد الأزمات الإقليمية والدولية بمنهجية الوساطة النزيهة. والتزام عمان الصارم بالحيادية الإيجابية لم يكن يوماً عزلةً عن محيطها، بل كان أداة فاعلة للمقاربة بين وجهات النظر المختلفة وتقريب الهوة بين الخصوم في قضايا إقليمية ودولية حساسة، مضافاً إلى ذلك مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين الذي جعل من الكلمة العمانية ميزاناً للثقة والقبول العالمي.
وما الشعب العماني إلا امتداد مكين لهذه الحكمة العميقة، مستلهماً مساره من رؤية القيادة الرشيدة الساعية دوماً نحو استقرار البلاد وحفظ مكتسباتها ومنجزاتها التنموية والحضارية. وهذا الامتداد المتناغم بين القيادة والشعب هو ما انعكس بوضوح جلي على ثقافة التسامح والاعتدال والتعايش السلمي التي تميز العقلية العمانية في التعامل مع مختلف القضايا والتحديات.
وتتجسد هذه الروح في شواهد تاريخية ومعاصرة عديدة؛ فعندما تعصف بالمنطقة موجات من الاستقطاب الحاد والنزاعات الطائفية أو الفكرية، تظل الأجندة العمانية منسجمة مع مبادئ حسن الجوار وإعلاء لغة الحوار، وهو ما يترجمه التلاحم الفريد بين المواطن ومؤسسات وطنه في صد أي محاولة لتشويه المكتسبات الوطنية أو النيل من النسيج الاجتماعي المترابط. هذا التناغم المجتمعي والسياسي يجعل محاولات التسلل الفكري تبدو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، فالمواطن العماني يدرك تماماً قيمة الاستقرار والأمن، ويعلم أن الحفاظ على هذه المكتسبات هو مسؤولية وطنية كبرى لا تقبل المساومة.
وفي هذا السياق المتصل بالوعي الفكري، يبرز الدور المحوري الذي يلعبه المثقف العماني والنخب الواعية في التعامل مع الأصوات النشاز والأقلام المدفوعة؛ سواء كان ذلك على منصات التواصل الاجتماعي أو في المساحات الحوارية المفتوحة. والذي نجد المثقف العماني الحقيقي يقف حصناً منيعاً أمام محاولات تضليل الواقع وتسميم ضبابية الصورة، متسلحاً بالقدرة العالية على مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، بعيداً عن الانزلاق في مستنقع المناكفات البيزنطية أو حوارات عقيمة الجدوى التي يتبنى مريدوها فكرة الاختلاف من أجل الخلاف. فهذه النخب تتعامل مع الطروحات السطحية بمنهجية علمية واعية تفكك الشبهات، وتكشف زيف الادعاءات، وتؤسس لخطاب وطني رصين يغلّب المصلحة العليا، ويحصن العقل المجتمعي من الاستقطاب الأيديولوجي العابر.
في الختام، يظل المجتمع العماني، بفكره الواعي وسياساته الرشيدة ومواقفه الثابتة تجاه قضايا أمته وفي طليعتها القضية الفلسطينية، عصياً على كل محاولات الاختراق أو التشويه وسط ضجيج العالم المتناحر. وبات الرهان على تخلخل الهوية العمانية رهاناً خاسراً على طول الخط، لأن الجذور أعمق من أن تقتلعها ريح العواصف العابرة، ولأن الحكمة العمانية قيادةً وشعباً ظل دائماً هي الخيمة الأوسع التي تسع الجميع، والبوصلة التي لا تضل طريقها أبداً مهما اشتدت حدة الأمواج وتغيرت اتجاهات الريح في الفضاء الإقليمي والدولي.
