علياء بنت سعيد العامرية
كثيرًا ما تكون الأمومة حلمًا ورديًا يراود الكثير من الفتيات منذ نعومة أظافرهن؛ فنجد الفتاة تعامل دميتها وكأنها طفلتها المدللة، وبعضهن يغدقن عاطفة الأمومة على قططهن. في تلك المرحلة، تعتقد الكثيرات أن الأمومة تتلخص في الاعتناء بنظافة الطفل، وتحميمه، والاهتمام بطعامه وشرابه وتنسيق ملابسه، ولا يدركن أن هذا الدور أعظم وأعمق من ذلك بكثير.
إن ما يحز في نفسي حقًا، هو أن أرى أمًا تهتم بكل التفاصيل المادية، وتغفل تمامًا عن الجانب النفسي لطفلها، فلا تمنحه الراحة النفسية، ولا تكون له أمًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. أم لا تسعى لفهم شخصية طفلها، ولا تلتفت لمواهبه لتنميتها، بل وربما تسحبه دون وعي إلى فوضى مرحلة مراهقة لم تتجاوزها هي بعد، وكأنها ترفض أن تكبر حتى حين تصبح «أمًا».
دائمًا ما أستحضر في ذهني صورة تلك الطفلة الرائعة التي ألتقي بها مرارًا؛ طفلة يدهشني ذكاؤها المتقد، حتى إنني تمنيت لو كانت أختي أو جمعتني بها صلة قرابة لأرعاها وأعلمها. لكن المفارقة المبكية هي أن والدتها، وبدلًا من استثمار هذه الشخصية الاستثنائية، تتركها فريسة للمقاطع القصيرة على منصات مثل «تيك توك». هذه المقاطع، كما تعلم عزيزي القارئ، قد تحمل مخاطر على الطفل عند الإفراط في استخدامها؛ فالتنقل السريع والمتواصل بين المقاطع قد يؤثر في قدرته على التركيز، كما أن الاستخدام المفرط للشاشات قد يرتبط بمشكلات في النوم وتنظيم السلوك، ويجعل بعض الأطفال أكثر تعلقًا بها وصعوبة في تقبل إيقافها، وغيرها من الآثار التي تضيق هذه السطور عن حصرها.
حاولت ذات مرة، بدافع الحرص، أن أقنع الأم بخطورة ترك ابنتها أسيرة للشاشات، فكان ردها المبرر للأسف: «ستبكي إن منعتها!». تساءلت في نفسي: وما العيب أن تبكي يومًا أو يومين لتعتاد وتُشفى؟ أليست هذه الطفلة أمانة ستُسألين عنها يوم القيامة؟ كيف يطاوع قلب أم أن تترك طفلتها في دائرة الخطر، فقط لتشتري لحظات من الهدوء وتتجنب إزعاج البكاء؟
وهنا أتساءل بمرارة: أهذه هي الأمومة؟ مجرد حمل، وإنجاب، وإطعام؟
لو كانت الأمومة تقتصر على تلبية الاحتياجات الأساسية، لكانت عاملات المنازل اللاتي يعتنين بأطفالنا أمهات لهم أكثر منا! ولو كان الأمر بهذا التسطيح، لاستطاع الجميع ممارسة هذا الدور بكل بساطة. لكن الأمومة أمانة ثقيلة ومسؤولية عظيمة. من واجبك كأم أن ترعي شؤون طفلك النفسية والفكرية قبل الجسدية، وألا تستسهلي الحلول التي قد تضر به فقط ليسكت. إن بناء إنسان سوي يحتاج إلى وعي ونضج وتضحية واستعداد. وتكفينا نظرة واحدة لبعض العيادات والمستشفيات النفسية لنرى براعم صغيرة ذبلت وتدمرت نفوسها؛ لم يكن ذنبها سوى أنها لم تجد ما يكفي من الاحتواء والرعاية، وربما أصبحت الشاشات بديلًا عن ذلك.
وفي المقابل، تدهشني إحدى قريباتي التي كنت أراها يومًا مجرد فتاة مراهقة لم تنضج بعد لتحمل مسؤولية الزواج والأمومة، إلا أنها أصبحت اليوم قدوة لي ولغيري رغم صغر سنها.
كم أتمنى لو أن كل الأمهات يحملن وعي قريبتي هذه! لقد أذهلني اهتمامها البالغ بأطفالها؛ فابنها الأكبر، الذي لم يتجاوز عامه الخامس، حين أعطيه هاتفي ليتابع محتوى مخصصًا للأطفال، لا يستغرق الأمر سوى خمس عشرة دقيقة على الأكثر، ثم يعيد لي الهاتف من تلقاء نفسه، وينصرف بمرح ليلعب بألعابه الأخرى. ليس هذا فحسب، بل إنه يعتني بشقيقته الصغرى بحنان لافت، ولا يسمح لأي طفل بإيذائها أو سحب لعبتها منها. وما يثير الإعجاب أكثر، أنهما بعد الانتهاء من اللعب، يبادر كل منهما بترتيب المكان وتنظيف الفوضى التي أحدثاها.
لقد استطاعت هذه الأم الشابة أن تزرع فيهما حب الأخوة الصادق، وغرست في وعيهما الصغير أن الهاتف مضر بالصحة. لقد سخرت وقتها للاعتناء بهما ومشاركتهما اللعب، والمدهش أن هذا العطاء كله لم يتعارض يومًا مع أدائها لواجباتها المنزلية الأخرى.
فالطفل في النهاية لا يحتاج إلى شاشة ليُسكت بها، بل يحتاج إلى حنان أم، ورأفة أب.
