بدر بن محفوظ القاسمي
قريبًا، ستعلو عربة التلفريك فوق مطرح.
ستغادر من جهة الميناء، وترتفع قليلًا قليلًا، وفي الأسفل ستبدأ المدينة في إعادة ترتيب نفسها أمام العين.
يصغر السوق.
وتظهر الحارات وهي تتكئ على السفوح.
ويتحول الكورنيش إلى خيط يرسم المسافة الدقيقة بين جبل شديد الحضور وبحر لا يقل عنه حضورًا.
ومن ذلك العلو ربما نفهم مطرح أكثر مما نراها.
فهي لم تُبنَ يومًا على أرض سهلة وممتدة، وإنما عاشت قرونًا في حوار دائم بين الجبل والبحر، حتى وجد الإنسان لنفسه موضعًا بينهما، فصنع بيته وسوقه وميناءه ومسجده وحارته وطريقه.
وقد دخل مشروع التلفريك في سبتمبر 2026 مرحلة متقدمة من الفحوص الدولية للسلامة والاستعداد للتشغيل، مع اكتمال الأعمال في محطاته الثلاث، من ميناء السلطان قابوس إلى محطة القمة ثم حي الورد، فيما لم يكن موعد التشغيل النهائي قد أُعلن حتى ذلك الوقت.
لكن قيمة التلفريك بالنسبة لي لا تكمن فقط في أنه سيحمل الإنسان إلى أعلى الجبل.
ربما تكون قيمته الأعمق أنه سيمنحنا زاوية جديدة لننظر منها إلى المدينة نفسها.
ومن تلك الزاوية يبدأ السؤال:
هل نعرف مطرح فعلًا؟
ليس أين يقع سوقها أو أين ينتهي كورنيشها، وإنما كيف صنعت الأرض هذه المدينة؟ وكيف أكمل الإنسان صناعتها؟ وما الذي ينبغي أن يبقى منها ونحن نعيد رسم مستقبلها؟
كتبت قبل سنوات أن الماء شق طرقه في الأرض ورسم مساراته وحدوده قبل أن نرسم نحن طرقنا ومخططاتنا الحديثة.
واليوم أعود إلى الفكرة نفسها من باب آخر.
فليس الوادي وحده من يملك ذاكرة.
للمكان ذاكرة أيضًا.
الأرض تتذكر أين مر الماء.
والبحر يعرف مداه.
والجبل يحفظ دروبه.
والمدينة تحفظ في أهلها ما لا تستطيع الخريطة أن تحفظه.
تتذكر أين سار الناس، وأين جلسوا، ومن أي ممر كانوا يصلون إلى البحر، وما اسم هذا الموضع قبل أن يحمل رقمًا في مخطط، وأي بيت لم يكن مجرد بيت، بل جزءًا من حياة الحارة كلها.
ولهذا ربما تكون إحدى أثمن خرائط مطرح غير معلقة في مكتب هندسي.
جزء منها لا يزال محفوظًا في ذاكرة كبار السن.
المهندس يستطيع أن يخبرنا بعرض الطريق وارتفاع المبنى ومساحة الأرض، لكن رجلًا عاش سبعين عامًا في مطرح قد يعرف لماذا ينعطف هذا الممر هنا، وأين كان الناس يجتمعون، وكيف كانت البضائع تصل من الميناء إلى السوق، وأي ساحة كانت لها وظيفة اجتماعية اختفت مع الزمن.
هذه ليست حكايات عجائز.
إنها معرفة مكانية.
ومن هنا أتخيل أن تسبق بعض مشروعات التجديد في الأحياء التاريخية جلسات لما يمكن أن نسميه:
«ذاكرة المكان».
يجلس فيها كبير السن إلى جوار المعماري الشاب، والمؤرخ إلى جانب المخطط، وأهل الحارة مع من سيعيد تصميمها.
لا لكي يصمم الكبير المدينة بدل المهندس.
ولا لكي يعيش الشاب أسير الماضي.
ولكن لأن:
الشاب يعرف ما يمكن أن تصبح عليه المدينة، والكبير يعرف ما لا ينبغي أن تفقده.
وفي هذا السياق يأخذ حضور سمو السيد بلعرب بن هيثم آل سعيد، الذي عُيّن في يناير 2026 وزيرًا للدولة ومحافظًا لمسقط، معنى يتجاوز مجرد ذكر اسم المحافظ. فالمرسوم نفسه لا يربط التعيين بسبب عمراني بعينه، ولذلك لا ينبغي لنا أن نفترض ذلك، لكن هناك سياقًا سابقًا يمكن قراءته: اسم سموه ارتبط قبل المنصب بجائزة بلعرب بن هيثم للتصميم المعماري، التي فتحت المجال أمام الشباب العُمانيين في العمارة والتصميم والتخطيط، وكانت مطرح موضوع دورتها الأولى.
والمشروع الفائز، «ميدان مطرح»، لم يبقَ لوحة جميلة في مسابقة؛ فقد انتقل إلى التنفيذ وبدأت أعمال إنشائه في 2026 على الواجهة البحرية.
لقد أعطت الجائزة للشباب سؤالًا:
كيف تتخيلون المكان غدًا؟
وربما يكون من الجميل أن نضيف في المرحلة المقبلة سؤالًا لكبار السن:
ماذا تعرفون عن المكان بالأمس ولا تعرفه خرائطنا اليوم؟
بين السؤالين يمكن أن تتشكل مدينة لا تقطع صلتها بنفسها.
مطرح تمشي بأكثر من سرعة
وقبل نحو شهرين خضت بنفسي تجربة هايكنج في جبال مطرح.
دخلت المسار وأنا أبحث عن الجمال، وخرجت منه وأنا أبحث عن أنفاسي!
وأقولها ضاحكًا: الجبل عرّفني بعضلات لم أكن أعلم أصلًا أنها موجودة.
لكن التعب ترك لدي سؤالًا أكثر جدية.
لماذا لا تصبح جبال مطرح جزءًا أوضح من المجال العام للمدينة؟
لا بأن نصب الإسمنت فوق الجبل، ولا بأن نحول الطبيعة إلى ممشى مصطنع، ولكن بأن ننظم التجربة بدرجات مختلفة.
يبقى للمغامر مساره.
وللشاب الرياضي طريقه.
وتجد الأسرة مسارًا أقصر.
ويجد كبير السن القادر على المشي طريقًا أكثر أمانًا، تتخلله نقاط استراحة وإطلال ولوحات توضح المسافة ودرجة الصعوبة.
ومن لا يستطيع صعود الجبل أصلًا، يحمله التلفريك إلى المشهد.
وهنا يصبح الهايكنج والتلفريك وجهين لفكرة واحدة:
أنسنة المدينة ليست أن نجعل الجميع يقطعون الطريق نفسه؛ بل أن نتيح لكل إنسان طريقًا يصل به إلى المكان.
طفل يمشي.
وشاب يصعد.
وكبير سن يستريح على شرفة تطل على البحر.
وآخر تحمله العربة إلى القمة.
والمدينة واحدة.
وهذا المعنى ليس بعيدًا عن الاتجاه الرسمي لمخطط مسقط الكبرى، الذي يمتد من مطرح شرقًا إلى بركاء غربًا، ويقوم على الربط بين النقل، والمشي، والمساحات المفتوحة، والأودية والشواطئ، وحماية المكونات الطبيعية، وجودة الحياة. كما يستهدف المخطط توفير وحدات سكنية جديدة وشبكات حماية من الكوارث الطبيعية ضمن رؤية أوسع لمدينة مترابطة وآمنة وحيوية.
لكن هنا تظهر أمامي قضية أعمق من الممشى والتلفريك.
من سيعيش في مطرح نفسها؟
المدينة التي خرج أهلها منها
لعل هذا السؤال هو الأكثر حساسية.
فمع امتداد العمران في مسقط، خرج كثير من أبناء مطرح بحثًا عن السكن الأوسع والأرض والخدمات الحديثة، واتجهوا إلى العامرات وبوشر والسيب وغيرها.
وهذه ليست ملاحظة اجتماعية فقط؛ فقد أشار وزير الإسكان والتخطيط العمراني في فبراير 2025 إلى أن سياسة توزيع الأراضي كانت أحد أسباب انتقال العديد من أبناء مطرح إلى ولايات أخرى مثل العامرات وبوشر والسيب بحثًا عن أراضٍ جديدة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن مطرح وروي ضمن أولويات التجديد الحضري وأن نجاح المشروع يعتمد على مشاركة السكان والملاك.
وهنا يصبح السؤال موجعًا قليلًا:
**ماذا لو رممنا المدينة، وجمّلنا كورنيشها، وأحيينا سوقها، وبنينا ميدانها، وشغّلنا تلفريكها… ثم لم يجد أبناؤها مكانًا يسكنون فيه؟**
فالتراث الحقيقي ليس أن نحفظ بيت الجد…
**ثم نجعل حفيده يأتي إليه زائرًا.**
هذه، في رأيي، واحدة من أهم قضايا تجديد مطرح.
لا يكفي أن نعيد الحياة إلى المكان.
ينبغي أن نفكر أيضًا في **كيف يبقى أهله جزءًا من هذه الحياة**.
لا أدعو إلى إعادة الناس قسرًا إلى البيوت القديمة، ولا إلى تجاهل أن متطلبات الحياة تغيرت.
من غادر مطرح إلى بيت أوسع أو حي أحدث فعل ذلك بحثًا عن الراحة والخصوصية والمواقف والخدمات ومستقبل أسرته.
إذن التحدي ليس أن نقول له:
«عُد إلى طريقة السكن القديمة».
بل أن نسأله:
**هل نستطيع أن نوفر لك حداثة السكن، دون أن نطلب منك أن تغادر جغرافية آبائك؟**
شرفات مطرح
ومن هنا تخطر لي فكرة تستحق الدراسة لا أكثر:
**شرفات مطرح.**
لا أقصد أبراجًا تشوّه الجبل.
ولا توزيعًا عشوائيًا للأراضي على السفوح.
ولا غزو آخر مساحة طبيعية بالبناء.
فليس كل مرتفع صالحًا للسكن، وليس كل جبل مكانًا آمنًا للبناء.
إنما لماذا لا تُدرس الهضاب والمصاطب والجيوب المرتفعة الممكنة في نطاق الولاية دراسة جيولوجية وهيدرولوجية وبيئية دقيقة، لمعرفة ما إذا كان بعضها يصلح لأحياء سكنية محدودة ومتدرجة تستوعب جزءًا من الأسر المرتبطة بمطرح، وتحافظ في الوقت نفسه على شخصية الجبل؟
فالمكان الآمن ليس أعلى نقطة تراها العين.
**المكان الآمن هو الذي تثبت الدراسات أنه يعرف كيف يتعايش مع الجبل والماء.**
ولدينا داخل مسقط نفسها مثال على أن السكن في موقع مرتفع يمكن أن يدخل ضمن التخطيط الحضري الحديث؛ فمشروع مدينة الثريا في العذيبة يقع على هضبة بارتفاع يقارب 200 متر، ويضم أحياء سكنية ومرافق وخدمات متكاملة. وهذا لا يعني نسخ تجربته في مطرح، وإنما يثبت أن التفكير في الأرض المرتفعة بصورة مخططة ليس خارج أدوات التطوير العمراني الحالية.
وقد تكون «شرفات مطرح» ـ إن أثبتت الدراسات إمكانية شيء من هذا النوع ـ أحياء صغيرة تتبع خطوط الأرض بدل أن تجرحها.
مباني منخفضة الارتفاع.
طرقات محسوبة.
تشجير محلي.
مواقف مدمجة.
مسارات مشاة.
وإطلالات لا يحتكرها مشروع سياحي، بل يعيشها الإنسان الذي ينتمي إلى المكان.
وتُبحث ضمنها، وفق الأنظمة والاستحقاق والعدالة، أدوات سكنية تساعد الأسر المرتبطة بالولاية على البقاء أو العودة.
ليس امتيازًا مغلقًا.
بل محاولة للإجابة عن سؤال ديموغرافي طرحه الواقع نفسه:
**كيف نجدد مطرح دون أن نفرغها من مطرح؟**
فهناك فرق بين مدينة يسكنها الناس، ومدينة يعمل فيها الناس نهارًا ثم يرحلون عنها مساءً.
الأولى مجتمع.
والثانية قد تتحول مع الزمن إلى واجهة.
صقور المكان
لطالما رأيت في أهل المدن القديمة شيئًا يشبه الصقر.
قد يبتعد عن الجبل، لكنه لا يفقد معرفته به.
وكثير من أبناء مطرح الذين انتقلوا إلى المعبيلة أو العامرات أو السيب أو بوشر وغيرها لا تزال مطرح تسكن في تفاصيلهم: مجلس العائلة، السوق، البحر، المقبرة، البيت القديم، أسماء الرجال والحارات والممرات.
لكن الذاكرة وحدها لا تكفي.
إذا أردنا أن تبقى مطرح مدينة حية، فلا بد أن يبقى فيها شيء من أهلها أيضًا.
ليسوا حراسًا لمتحف.
بل **صقور المكان**؛ عيون تراقب تحوله، وأجيالًا تنقل للجيل الذي بعدها لماذا كان هذا الطريق هنا، ومن عاش في ذلك البيت، وما الاسم الذي سبق اللوحة الحديثة.
وكبار السن الذين نريد أن نستمع إليهم اليوم لن يبقوا إلى الأبد.
ولهذا فإن أفضل طريقة لحفظ ذاكرتهم ليست تسجيل أصواتهم فقط.
بل أن يكون لأحفادهم **سبب للعيش بالقرب من المكان الذي يتحدثون عنه**.
مطرح لا تحتاج أن تصبح مدينة أخرى
هناك مدن يقتلها الإهمال.
وهناك مدن يقتلها النجاح نفسه عندما يُفرط في تطويرها حتى لا تعود تشبه نفسها.
ومطرح ينبغي أن نحميها من الاثنين.
لا نريدها متحفًا.
ولا واجهة سياحية بلا أهل.
ولا سوقًا يدخل إليه الزائر ويخرج، فيما يُغلق سكانه الحقيقيون أبواب بيوتهم ويرحلون إلى أماكن أخرى.
التجديد الحضري الحقيقي يجب أن يعيد **الحياة** لا الصورة فقط.
أن يظهر النُزل الصغير.
والمقهى.
والمطعم.
والحرفي.
والمكتبة.
وأن يبقى البيت بيتًا.
وأن يجد الطفل مكانًا يلعب فيه.
وأن يستطيع الكبير أن يجلس في الحي الذي يعرفه.
وأن يجد الشاب مستقبلًا اقتصاديًا وسكنيًا يجعله لا يرى البقاء في مطرح تضحية.
فالتراث ليس لون الجدار.
التراث إنسان داخل الجدار.
مدينة تُقرأ من ثلاث جهات
أتخيل مطرح بعد سنوات وقد أصبحت قصتها متصلة.
يبدأ الإنسان من السوق، حيث يسمع صوت أهل المكان وحكايات بيوتهم.
ثم يصل إلى البحر.
ومن هناك يختار طريقه.
يمكنه أن يسير في حارة.
أو يصعد مسارًا جبليًا.
أو يركب التلفريك.
وربما يرى من الأعلى حارات قديمة استعادت حياتها، ومساكن جديدة مدروسة لا تتعارك مع الجبل، بل تستقر في بعض مواضعه كما استقرت بيوت الأجداد قديمًا، ولكن بلغة هذا العصر.
فتصبح مطرح مدينة تُقرأ رأسيًا وأفقيًا.
في السوق نقرأ الإنسان.
وفي الجبل نقرأ الأرض.
ومن التلفريك نقرأ المدينة كاملة.
وكنت قد وصفت في كتابة سابقة الموقع الجغرافي لعُمان بأنه «رأس مال طبيعي وسياسي».
وأجدني اليوم أضيف:
وذاكرة المكان أيضًا رأس مال.
بل إن أهل المكان أنفسهم رأس ماله الذي لا يعوض.
فالطريق يمكن إعادة رصفه.
والمبنى يمكن ترميمه.
والساحة يمكن تصميمها من جديد.
لكن إذا انقطعت الصلة بين المدينة وأهلها، فهناك شيء لا تستطيع الخرسانة أن تعيده بسهولة.
ولهذا ربما لا يُقاس نجاح تجديد مطرح مستقبلًا بعدد السياح الذين يأتون إليها وحده، ولا بعدد المشروعات التي تنفذ فيها.
قد يكون هناك مؤشر إنساني أبسط:
كم أسرة وجدت في مطرح سببًا للبقاء؟
وكم ابنًا وجد فيها فرصة للعودة؟
وكم حفيدًا سيستطيع أن يقول بعد ثلاثين عامًا:
«نحن ما زلنا هنا»؟
فالسائح يمنح المدينة يومًا.
والمستثمر يمنحها مشروعًا.
أما أهلها فيمنحونها الاستمرار.
وفي المساء، ربما يكتمل المشهد.
رجل مسن يمشي على الكورنيش.
وطفل يركض أمام بيت قريب.
وشباب يصعدون أحد مسارات الجبل.
وفي الأعلى تمر عربة التلفريك.
وعلى إحدى الشرفات تقف أسرة تنظر إلى البحر الذي نظر إليه أجدادها قبلها.
أجيال مختلفة.
طرق مختلفة.
لكن المكان واحد.
وهذه، في رأيي، أجمل صورة لأنسنة المدينة:
ألا نطلب من الإنسان وحده أن يتكيف مع المدينة، بل نجعل المدينة قادرة على الاحتفاظ بإنسانها.
فليس التحدي أن نجعل مطرح أحدث مما كانت.
التحدي أن نجعلها أقدر على أن تكون نفسها.
وأن تدخل المستقبل دون أن نطلب منها أن تترك أهلها وذاكرتها عند الباب.
فالمدن، مثل البشر، تتغير ملامحها مع العمر.
لكن أجملها…
تلك التي تكبر، ولا تنسى اسمها، ولا تنسى أسماء أبنائها.
