صالح البلوشي – شؤون وطنية
ارتكزت السياسة الخارجية العمانية منذ بداية نهضتها المباركة على مجموعة من المبادئ الراسخة التي لم تتبدل بتبدل الظروف، ولم تتغير بتغير التحالفات أو التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة على مدى أكثر من نصف قرن.
وعلى رأس هذه المبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادتها واستقلال قرارها، وحسن الجوار، والدعوة إلى حل الخلافات والنزاعات بالطرق السلمية، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية على منطق الصراع والمواجهة.
وهذه المبادئ تعد نهجًا سياسيًا مارسته سلطنة عُمان في علاقاتها الإقليمية والدولية، وحافظت عليه في أوقات كانت فيها المنطقة تمر بأزمات واستقطابات حادة وتشهد حروبا دموية، والتي كان أخطرها الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988).. ولا أظن أننا بحاجة إلى استعراض القضايا والملفات التي أسهمت فيها الدبلوماسية العُمانية في تقريب وجهات النظر أو تهيئة مساحات للحوار؛ فهي معروفة لكل متابع لتاريخ المنطقة وسياسة عُمان الخارجية.
ولعل ما صدر عن مجلس الوزراء الذي ترأسه جلالة السلطان المعظم -حفظه الله- الثلاثاء 22 سبتمبر 2026- يجدد التأكيد على هذه الثوابت؛ إذ أكد المجلس موقف سلطنة عُمان الثابت المتسم بالحياد البنّاء واحتواء الصراعات والدعوة إلى تغليب لغة الحوار والحلول السياسية واحترام سيادة كافة الدول وحسن الجوار، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليميين.
وفي التوقيت ذاته تقريبا، شاركت سلطنة عُمان في الاجتماع متعدد الأطراف الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع قادة وممثلي عدد من الدول الخليجية والعربية وتركيا، على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ومثّل السلطنة فيه سعادة السفير طلال بن سليمان الرحبي، سفير سلطنة عُمان المعتمد لدى الولايات المتحدة الأمريكية.
وكان الموقف العُماني في ذلك الاجتماع امتدادًا للنهج نفسه؛ إذ أكدت السلطنة أهمية مواصلة الحوار والدبلوماسية، وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التوترات، وتهيئة الظروف للتوصل إلى حلول سلمية ومستدامة تحفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتحقق تطلعات شعوبها إلى السلام والتنمية.
ومع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض في يناير 2025 ودخول الأزمة النووية بين إيران والولايات المتحدة إلى معترك صعب، حاولت السلطنة تقريب وجهات النظر بين الطرفين وكادت مرتين أن تنجح لولا دخول الطرف الإسرائيلي الذي كان يعارض منذ عقود مبدأ التفاوض، سعيا منه لتأجيج نار الحرب بالمنطقة، وقد نجح في ذلك بسبب سياسات ترامب.
ولم تكن دعوات السلطنة إلى الحوار ووقف الصراعات مرتبطة بأزمة بعينها كما يدعي بعض المرجفين؛ وإنما ظلت جزءا من سياستها الثابتة منذ عقود، سواء اتفق الآخرون معها أو اختلفوا.
ومن هنا، فإن الإساءات والاتهامات التي توجه بين الفينة والأخرى إلى سلطنة عُمان نتيجة مواقفها من بعض أزمات المنطقة، تتجاهل -عن قصد أو عن غير قصد- تاريخا طويلا من السياسة العمانية المتوازنة التي حرصت على إبقاء أبواب التواصل مفتوحة حتى في أشد لحظات الخلاف والاستقطاب.
وأشير هنا كذلك إلى ما تعرض له سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عُمان، من تطاول وإساءات عقب بيانه الأخير على حسابه الرسمي على منصة إكس والذي دعا فيه اليمنيين إلى حقن الدماء ووحدة الصف وإصلاح ذات البين، وهي دعوة ينبغي أن تُقرأ في مضمونها الديني والإنساني والأخلاقي، ولكن هذا البيان لم يعجب دعاة الفرقة والشقاق والنهج الطائفي الضيق، الذين يقتاتون على الخلافات السياسية والطائفية، مع أن كثيرا من هؤلاء لم تنطق ألسنتهم بكلمة واحدة عندما كانت غزة تتعرض إلى أبشع إبادة في التاريخ الحديث.
لقد اختارت سلطنة عُمان نهجا قد لا يكون سهلا في منطقة كثيرة الأزمات والاستقطابات، وذلك بالحديث والحوار مع الجميع، والمحافظة على علاقاتها مع الجميع، والسعي إلى إطفاء الحرائق بدلا من إضافة الوقود إليها، وتلك هي السياسة التي اختارتها السلطنة منذ أكثر من نصف قرن، وهدفها من ذلك أمن المنطقة الذي لا يتحقق بإقصاء أي طرف وإنما بالحوار والتعايش وتسوية الخلافات بالطرق السلمية، لأن السعي نحو الاستقرار المستدام أهم من أي مكسب سياسي مؤقت.
