محمد بن عيسى البلوشي – إعلامي وباحث اقتصادي
أكتب هذه السطور وأنا أعتلي أحد أبراج قلعة “الميراني” الشاخصة على صدر جبال مسقط الشاهقة، وعلى مقربة من مسجد الشهداء (الخور)… قد لا ألمّ بكافة تفاصيل التاريخ المدوّن هنا، لكنني أستشعر بوجداني نبض الحجارة؛ ألمس في الشواهد والأزقة ذاكرة حية، وكأن هذه الجدران العتيقة تختزن أنفاس الذين مروا من هنا، وتتطلع بلطفٍ لتسرد عليّ حكاية رجالٍ عظماء سكنوا هذا المكان وصنعوا هيبته.
استأذنتُ الزمان أن يتوقف لبرهة، فالمكان يفرش هيبته على الروح؛ من هنا يلوح قصر العلم العامر شامخاً، شاهداً على ملحمة خاضها العمانيون على ضفاف هذه الخلجان الساحرة. ومن هذه الشواطئ بالذات، أبحرت السفن العمانية نحو آفاق العالم، لم تكن تحمل بضائع التجارة فحسب، بل كانت تبذر في الموانئ البعيدة قيم السلام والمحبة، وتنسج السمعة العمانية الناصعة بالأمانة، والصدق، وحسن المعاملة.
وحين تطأ قدمك حارات مسقط القديمة ودروبها الأصيلة، تشعر بصلةٍ وجدانية خفية؛ فالأمكنة لا تبدو صامتة، بل تستنطق الزائر وكأن القصة الإنسانية لم تنتهِ بعد، وكأن أصحاب الديار لم يغادروها قط. لكن الغياب يلقي بظلاله؛ فبين المنازل المهجورة والأبواب المغلقة، تراءت لي “دمعة مسقط” حزينة؛ دمعة مدينة حنون تفتقد صخب أبنائها، وضحكات أطفالهم، وحكايات أحفادهم الذين غادروها وتركوا صداهم معلقاً على الجدران.
تلك الدمعة لا يراها إلا عاشقٌ صادق، وذلك الأنين لا يسمعه إلا من ينبض قلبه بحب مسقط. إن الشغف بهذا الجمال المنسكب في التفاصيل التاريخية هو ما يدفعنا اليوم لنطرق باب وزارة التراث والسياحة؛ نداءً لإحياء الروح في حارات مسقط القديمة، وبناء “سردية سياحية إنسانية” تعيد الحيوية والبهجة إلى واحدة من أعرق المدن التاريخية في شبه الجزيرة العربية.
إن ما نتطلع إليه هو أن تتبنى الوزارة مشروعاً سياحياً نوعياً يقوم على “سردية المكان والإنسان”؛ منتجاً سياحياً لا يكتفي بإبراز حجارة المعالم، بل يروي حكاية العقل والروح العمانية التي سكنت هذه الأزمنة. منتج يستحضر التاريخ الخالد الذي أقام صرح هذه الدولة الراسخة، ويروي مواقف الأمة العمانية التي بذلت الدماء والأرواح صوناً للأرض والإنسان وتثبيتاً لعرى السلام؛ فشواهد مسقط ليست مجرد أطلال، بل هي وثيقة حية تتكلم عن التضحية والأصالة.
وما يعزز هذا الإيمان والرجاء، هو ذلك العشق الصادق للأرض والإنسان العماني الذي يتجلى في رؤية معالي السيد وزير التراث والسياحة؛ وهو شغفٌ لمسناه جلياً في مسيرته وإنجازاته السابقة. إن هذه الثقة تجعلنا نستبشر خيراً وبإيجابية عالية بأن وزارة التراث والسياحة، بقيادته الموقرة، ستكون السباقة والمبادرة لصياغة هذه السردية الوطنية، لتعود الحياة، والبهجة، والألق إلى قلب مسقط التاريخية.
