خاص – شؤون وطنية
أصبحت طائرات “الدرون” عنصرا فاعلا في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي والبصري؛ إذ نقلت عدسات التصوير من ثبات الأرض إلى رحابة السماء، لتمنح الجمهور مشاهد بانورامية لم تكن متاحة إلا لميزانيات الإنتاج الضخمة.
وبينما تقدم هذه التقنية قيمة مضافة لا تُضاهى من حيث الجمالية والتكلفة، فإنها تضع مستخدميها أمام تحديات شائكة ما بين انتهاك الخصوصيات ومخاطر السقوط والقيود التنظيمية.
ويقول المصور الفوتوغرافي موسى الحجري، إن توسيع أفق التكوين منح التصوير بالدرون بُعداً تجريدياً وخطوطاً هندسية جديدة لم تكن مألوفة من زوايا الأرض ما جعلني أنظر إلى الأرض كلوحة فنية متكاملة وليست مجرد مشاهد تقليدية، مضيفا أن الدرون أداة سردية قوية عندما تخدم روح العمل وتعزز تفاصيل المشهد الثقافي أو البيئي لكن التصوير بالدرون يتحول إلى مجرد استعراض تقني مجاني إذا غاب الإحساس والهدف الفني.
ويشير إلى أن الموازنة بين الشغف والضوابط والتحديات التقنية والقوانين التنظيمية تظل جزءاً من التزام المصور المحترف، وبالتخطيط السليم واحترام الأنظمة يتحول تقييد الحركة إلى مساحة إبداعية تضاعف متعة التقاط الصورة الجوية بأمان.
ويرى المصور الفوتوغرافي أحمد بن مال الله الفارسي، أن تقنية الطائرات المسيرة عن بعد (الدرون) شهدت قفزة نوعية في عالم التصوير والإنتاج المرئي، حيث أحدثت ثورة حقيقية في كيفية التقاط المشاهد وأعادت تعريف الزوايا البصرية،حيث تعتمد هذه التقنية على منح المصور منظورًا علويًا شاسعًا يحول المشاهد العادية من مستوى الأرض إلى لوحات فنية ساحرة، سواء عند تصوير الطبيعة الممتدة أو حركة الحياة البرية التي كان يصعب الاقتراب منها سابقًا دون إثارة ذعرها أو تكبد عناء سينمائي معقد.
ويضيف أن أهمية “الدرون” لم تقتصر على الجانب الجمالي فحسب، بل امتدت لتشمل البعد الاقتصادي للإنتاج الإعلامي والمؤسسي، ففي الماضي، كان التقاط المشاهد الجوية يستلزم استئجار طائرات مروحية بتكاليف مالية باهظة وإجراءات لوجستية معقدة، أما اليوم، فقد أتاحت هذه الطائرات الصغيرة للشركات والأفراد إمكانية تنفيذ تغطيات واحترافية عالية بتكلفة مالية محدودة وضمن متناول اليد، مما ساهم في خفض النفقات التشغيلية للمشاريع الإعلامية بشكل ملحوظ.
ويوضح الفارسي أنه رغم أنه هذا الانتشار، فقد حرصت الجهات التنظيمية على تأطير استخدامها من خلال تنظيم دورات تدريبية لمنح تراخيص الطيران، وتطوير تطبيقات رقمية توضح للمستخدمين نطاقات الطيران الآمنة (المناطق الخضراء) وتلك المحظورة (المناطق الحمراء) لضمان سلامة الحركة الجوية.
ويتابع: ” في المقابل، تنطوي هذه التقنية على ثغرات وسلبيات لا يمكن التغاضي عنها؛ ويأتي في مقدمتها الاستخدام غير المسؤول من قبل بعض الأفراد الذين يتعدون على خصوصيات المنازل والأحياء السكنية، أو يحلقون في مواقع عسكرية وحيوية دون دراية، مما يثير مخاوف أمنية وشكاوى مجتمعية مستمرة، مما ان طائرات “الدرون” تظل عرضة لمخاطر التقنية والطقس؛ ففي حال تعرض الطائرة لخلل فني في الجو أو فقدان الاتصال وسقوطها من ارتفاع شاهق، فإن احتمال تلفها الكلي أو ضياعها يصل إلى نسب مرتفعة جدًا، وتتحول هذه السلبية إلى خسارة مالية مباشرة للمالك، إذ إن أضرار السقوط غالبًا ما تجعل إصلاح الطائرة أمرًا مستحيلًا مقارنة بالحوادث الميكانيكية التقليدية للأجهزة الأخرى، مما يحتم على المصورين ممارسة أقصى درجات الحذر والالتزام باللوائح عند التشغيل.
وفي السياق، يقول عدي بن أحمد الصلتي مصور ضوئي: “من خلال تجربتي في مجال الإعلام والتصوير وخصوصاً في التصوير الرسمي باستخدام الدرون أستطيع القول إن الدرون غيرت كثيرا من طريقة نظرتي للمشهد، ففي التصوير التقليدي غالبا ما أفكر في المشهد من مستوى العين وزوايا الحركة المعتادة، بينما التصوير الجوي جعلني أتعامل مع المكان ككتلة بصرية متكاملة وأفكر أكثر في الخطوط والمساحات والتوازن وحركة الأشخاص والمركبات داخل الكادر.
ويذكر: “أصبح السؤال بالنسبة لي ليس فقط ماذا أصور؟ وإنما من أي زاوية يمكن أن أُظهر قيمة المكان أو الحدث بشكل أفضل، خصوصاً في التغطيات الإعلامية والرسمية حيث يمكن للقطة الجوية أن تعطي المشاهد تصورا أوضح عن حجم الموقع وطبيعة المكان وحركة الفعاليات وتفاصيل قد لا تظهر من الزوايا الأرضية”.
ويؤكد: “الصورة الجوية الناجحة بالنسبة له ليست التي تظهر فقط أن لدينا درونا، وإنما التي تضيف شيئا للقصة لا يمكن الحصول عليه بسهولة من التصوير الأرضي، وأحياناً تكون اللقطة الجوية ضرورية لأنها تعرف بالمكان أو تظهر حجم الحدث أو تربط الإنسان بالبيئة المحيطة به وأحيانا أخرى تكون اللقطة الأقرب والأبسط أكثر تأثيرا، لذلك أرى أن استخدام الدرون يجب أن يكون له مبرر بصري وإعلامي وليس لمجرد استعراض الإمكانات التقنية”
كما يلفت الصلتي إلى أن “التصوير بالدرون ممتع جداً خصوصا عندما ترى المشهد من زاوية لم تكن متاحة سابقا لكن هذه المتعة بالنسبة لي مرتبطة بالمسؤولية، وفي التصوير الرسمي لا يمكن فصل الجانب الإبداعي عن الجانب المهني، لذلك أبدأ دائما بالتخطيط للموقع واللقطات المطلوبة، وأتأكد من الظروف الجوية وسلامة الموقع والأنظمة والتصاريح المنظمة لاستخدام الدرون، كما أنني أتعامل مع كل موقع بحسب طبيعته فليست كل اللقطات التي تبدو جميلة مناسبة للتنفيذ وليست كل الظروف الجوية أو المواقع تسمح بالمجازفة، لذلك أحاول دائما أن أجد التوازن بين اللقطة التي أريدها وبين ما هو آمن ومسموح ومناسب للعمل الإعلامي”.
ويذكر الصلتي: “أعتقد أن المصور الجوي الناجح ليس من يستخدم الدرون أكثر، وإنما من يعرف متى يستخدمه ولماذا يستخدمه وكيف يجعل اللقطة الجوية جزءا من القصة وليست مجرد لقطة جميلة بحد ذاتها”.
بدوره، يقول محب المغامرات والمصور هادي الهنائي: “بالنسبة لي، لم يكن التصوير بطائرات الدرون مجرد إضافة أداة جديدة إلى حقيبة معداتي، بل كان تحولاً جذرياً في فلسفة رؤيتي البصرية وإدراكي للتكوين، لقد أعادت هذه التقنية تعريف علاقتي مع المساحة والمكان؛ فبمجرد أن ترتفع الكاميرا أمتاراً قليلة عن سطح الأرض، يتلاشى الضجيج البصري المعتاد، وتبدأ الأشكال الهندسية، والخطوط الممتدة، والتناظر الخفي في الإفصاح عن نفسها، الممر العادي، أو جدار متهالك، أو شاطئ التقاء الموج بالرمال، أو حتى ازدحام المركبات في الشوارع، كل هذه المشاهد التي قد تبدو مألوفة أو عادية من مستوى النظر البشري، تتحول من الأعلى إلى لوحات تجريدية متكاملة تنبض بالحياة والجمال.
ويبين: “مع ذلك، أعتقد جازماً أن القوة الحقيقية للدرون لا تكمن في مجرد تقديم “زاوية غير تقليدية” أو استعراض القدرات التقنية الجوية، تصبح الدرون أداة فنية معبرة فقط عندما تُسخّر لخدمة القصة الفوتوغرافية وتعميق المعنى البصري، لتصبح التقنية وسيلة لإيصال الفكرة وليست هي الفكرة بحد ذاتها، فالمشهد الجوي الناجح هو الذي يحمل بعداً إنسانياً أو درامياً، يربط بين العناصر ويفصح عن العلاقات بين الطبيعة والعمران أو الإنسان ومحيطه، ولهذا، أحاول دائماً تحقيق هذا التوازن الدقيق: الاستمتاع بالحريّة الإبداعية والجمال الساحر للتصوير الجوي، مع الحرص التام على ممارسة هذه الهواية بوعي ومسؤولية، ويتطلب ذلك دراسة الظروف الجوية وحركة الرياح، والالتزام الصارم بالاشتراطات والقوانين المنظمة لطيران الدرون والتصوير، احتراماً للخصوصية والسلامة العامة”.
ويؤكد الهنائي أن أجمل ما يقدمه التصوير بالدرون هو هذه الدهشة المتجددة؛ لأنه يمنح فرصة إعادة اكتشاف العالم الذي نعيش فيه والأماكن التي نمر بها يومياً، لنراها من منظور جديد تماماً يذكرنا دائماً بأن الجمال موجود حولنا دائماً، فقط يحتاج منا أن ننظر إليه من الزاوية الصحيحة.
