سالم السيفي – شؤون وطنية
حين تتأمل الأمم في عثراتها التاريخية والإدارية، لا تكتفي بالوقوف عند حدود الأعراض الاقتصادية أو الاختلالات العابرة، بل تغوص إلى الجذور العميقة التي تنبثق منها أزمات الوجود المؤسسي. والتاريخ الإداري للبشرية يؤكد أن الأزمات الحقيقية لا تولد في فراغ الموارد، بل في رحم الوعي المأزوم؛ فالمجتمعات لا تتعثر حين تضيق خزائنها، بل حين تفقر عقول إدارتها وتتحجر بنى تصوّراتها.
ومن هذه الجدلية الفلسفية العميقة بين الوعي والواقع، تشهد العلاقة بين المؤسسات الحكومية والشارع العام توترًا هيكليًا متصاعدًا، تتغذى جذورها من فجوة عميقة بين الخطط الرسمية والواقع المعيش. ولم تعد التحديات الاقتصادية وحدها هي مصدر القلق، بل باتت المنهجيات الإدارية المتبعة، والتصريحات الارتجالية، وإعادة تدوير الوجوه التي أثبتت عجزها تشكل عبئًا إضافيًا يثقل كاهل المواطن. إن تكرار مظاهر الفشل الإداري يضعنا أمام تساؤلات مصيرية: إلى متى يستمر هذا التخبط؟ ولماذا يدفع المواطن دائماً فاتورة الخسارة؟ وهل نحن حقاً أمام أزمة نقص في الحلول، أم أزمة عقول تدير المشهد؟
ومن الملاحظ أيضا، تتكرر في المشهد الإداري ظاهرة إطلاق استراتيجيات كبرى ومشاريع وطنية تعتمد على دراسات جدوى سطحية، أو مبنية على معطيات نظرية متقادمة لا تلامس الاحتياجات الفعلية للمجتمع. ويتجلي هذا التخبط في تناقض السياسات والقرارات عبر إصدار قرارات تنظيمية أو اقتصادية فجائية ثم التراجع عنها أو تعديلها خلال فترة وجيزة، مما يعكس غياب العمق البحثي واستشراف المستقبل؛ كالتخبط المتكرر في سياسات الدعم، أو مشاريع البنية التحتية التي تُعاد حفرها وتعديلها بلا طائل، كأن تُنفذ مشاريع طرق أو شبكات تصريف مياه ثم تعاد حفرها لأسباب تنسيقية غائبة.
ولمواجهة هذا الانفصال، غفلت الإدارات التقليدية عن حقيقة جوهرية أثبتتها تجارب الأمم الحية؛ وهي أن صناعة القرار الرشيد لا تتم من أبراج قصر العاج، بل تتطلب بالضرورة نزول المسؤول من أعلى الشجرة، لقراءة المشهد من عيون المستفيد لا من نوافذ المكاتب الوثيرة. وحين نستحق التجربة الإنسانية، نجد أن أعظم التحولات الإدارية ولدت من مبادئ الإدارة بالجوال، واختبار النبض الميداني المباشر، والتجربة اليابانية التي تجعل من المكان الحقيقي المقياس النظري والعملي لتطبيق الفكرة، حيث تحدث العمليات بوصلة لكل قرار. والمسؤول الحقيقي لا يكتفي بالتقارير المعلبة، بل ينزل إلى ساحات الفعل ليدرك أن المنهجية السليمة تبدأ من ملامسة الواقع لا من افتراضاته.
ولا يستثني هذا الخلل قطاعاً دون آخر، بل يمتد عبر شبكة الحيوية الوطنية ليطال مفاصل الحياة الأساسية؛ ففي قطاع التعليم يتحول المعلم والمناهج إلى حقل تجارب لقرارات فوقية لا تعي واقع الفصول الدراسية، وفي قطاع الصحة تُدار المستشفيات بعقلية المحاسبة الجافة لا كخط دفاع إنساني، بينما تتحول غرف التجارة والاستثمار والسياحة، التي ينبغي أن تكون عصب التنمية، إلى دوائر تعطيل بيروقراطي عاجزة عن قراءة نبض المستثمر الصغير.
ويعزى هذا الإخفاق المتكرر إلى ظاهرة العمى المؤسسي، حيث تُصر الإدارات التقليدية على إنتاج السياسات ذاتها وهي منفصلة تمامًا عن التغذية الراجعة القادمة من الميدان، مما يخلق فقاعة وهمية تعتقد أن الخطط تسير على ما يرام بينما الشارع يغلي. ويرافق ذلك فخ الاستشارية الشكلية المتمثل في إسناد الدراسات الاستراتيجية لجهات استشارية عالمية منفصلة عن الواقع المحلي، تتقاضى مبالغ فلكية لقاء تقارير معلّبة ومستوردة لا تراعي السياق الثقافي والمجتمعي والاقتصادي، لتصبح مجرد غطاء شكلي لشرعنة قرارات متخذة مسبقاً دون تقديم حلول حقيقية للتحديات المزمنة.
فضلاً عن غياب الأثر القياسي المتمثل في عدم وجود مؤشرات واضحة ومقاسة بمدى نجاح الدراسات بعد تطبيقها، وغياب ثقافة المساءلة الإدارية عن الجهات التي تُعد تلك الدراسات الفاشلة، وغرق هذه الإدارات في إدمان إطفاء الحريق وإدارة الأزمات عوضاً عن التخطيط الاستباقي، ليتخذ المسؤول من الأزمات المصنوعة مبرراً للبقاء بحجّة أنه “رجل المرحلة” بينما هو صانعها ومستديمها.
ولعل من أخطر ما أصاب الفكر الإداري المعاصر هو استحكام وَهْم العصمة البيروقراطية، وتحول المنصب الوزاري أو القيادي في ذهن البعض إلى موقع برجوازي متعالٍ، كأن صاحبه في مرتبة مقدسة لا يطالها النقد ولا يشملها التقويم. بينما الحقيقة الراسخة في الفكر الإداري الرشيد أن المنصب ما هو إلا تكليف خدمي لا تشريف طبقي، وأن من يظن أن أصحاب المناصب فوق المساءلة إنما يعيش في أحلام عبثية تحتاج إلى مراجعة جذرية. إن تقديس الأشخاص وإلباس القرارات الفوقية هالة من العصمة يكرس ثقافة الولاء للأفراد لا للمؤسسات، وينسى أن الكرسي ليس سوى أداة عبور لتحقيق مصلحة الوطن لا مفاخرة بالمظاهر والبروتوكولات.
تشير أدبيات الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع الإداري إلى أن غياب كفاءة التخطيط يلقي بظلاله الثقيلة دائمًا على الفئات الأضعف في المجتمع، حيث يتحمل المواطن التكلفة المباشرة عندما تفشل المؤسسات في إدارة الموارد أو تتخبط في دراسات المشاريع؛ ليصبح الضحية الأولى عبر تراجع جودة الخدمات الأساسية أو فرض رسوم وضرائب جديدة لتعويض العجز الناتج عن سوء الإدارة. ويرافق ذلك غياب العدالة في توزيع الأعباء؛ فبينما يتمتع القياديون المتسببون في الأزمات بمكافآت نهاية الخدمة وحصانة المواقع، يواجه المواطن بمفرده تداعيات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة الناتج عن قرارات فوقية غير مدروسة.
ولا تقتصر أيضا آثار الفشل الإداري على الجانب المعيشي، بل تمتد لتضرب الصحة النفسية للجمهور. فالظهور المتكرر لمسؤولين يطلقون تصريحات تنفصل عن الواقع أو تلقي باللوم على المواطن نفسه بدعوى عدم الترشيد يخلق بيئة من الضغط النفسي الجمعي. يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة التي لا يجب أن يُنظر إليها كقيمة معنوية فحسب،
بل باعتبارها رأس مال اقتصادي صلب؛ فتراجعها يؤدي فوراً إلى انكماش استثماري واستهلاكي نتيجة غياب اليقين والضبابية التشريعية. هذا التآكل يفكك الروابط الوطنية بفعل التصريحات المستفزة التي تعمل بمثابة عوامل هدم يومية، مسببة احتراقًا نفسياً وشعورًا بالقهر يولد الدجونة والعجز لدى الأفراد لعدم قدرَتهم على التأثير أو التغيير، فضلاً عن اتساع رقعة السخط وتحول هذه الممارسات إلى حالة عامة من الاحتقان الصامت الذي ينفجر أحيانًا في شكل رفض جماعي لأي سياسات حكومية حتى وإن كانت سليمة في جوهرها.
ومن المستغرب جدا ظاهرة خروج مسؤول من منصبه التنفيذي بعد فترة شهدت تراجعًا في الأداء أو إخفاقًا في تحقيق تطلعات التنمية ليعود فجأة بصفة خبير مستشار أو منظر استراتيجي يطرح رؤى لتطوير ذات القطاع الذي أدارها سابقًا، واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في الإدارة العامة. تعكس هذه الظاهرة أزمة حقيقية في منظومة تداول الكفاءات، حيث تُغلق الأبواب أمام الدماء الجديدة والطاقات الشابة المبتكرة لصالح شبكات مصالح ضيقة تعيد تدوير نفس الوجوه العتيقة. إن السماح لمن أخفق في موقع التنفيذ بأن يتحول إلى موجه للفكر الإداري يعطي رسالة سلبية بالغة الضرر للمجتمع مفادها أن الفشل لا يتم عقابه بل يكافأ بترقية معنوية، وهو ما يقوض مبدأ الاستحقاق والجدارة.
وتتضاعف هذه التحديات في عصرنا المعاصر مع تحدي الثورة الرقمية وتقنيات البيانات الضخمة؛ إذ تواجه البنى الذهنية التقليدية البيروقراطية اختبارًا قاسيًا يعجز عن استثمار التقنية الحديثة بحيادية وشفافية، مما يحول التكنولوجيا في كثير من الأحيان إلى أداة جديدة للسيطرة البيروقراطية بدل أن تكون أداة للتمكين والرشاقة الإدارية.
إن الإجابة عن التساؤل الجوهري، تكشف أن أزمة الحلول ليست سوى عرض مَرَضي لمرض أعمق وهو أزمة العقول. فالموارد متوافرة والقدرات المالية والبشرية موجودة، لكن الإكراه الحقيقي يكمن في البنى الذهنية التقليدية التي تدير المؤسسات بعقلية الوصاية لا الشراكة، وبالارتجال لا التخطيط العلمي الرصين. بينما الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن بناء الأوطان لا يتم بالدراسات الشكلية ولا بالتصريحات المستفزة، بل بتهيئة عقول شابة ومنتجة تؤمن بأن العمل العام شرف ميداني، وتتحرر من أوهام البرجوازية الوظيفية.
ولتجاوز هذه المعضلة الهيكلية، لا بد من الارتكاز على مفاتيح عملية تتمثل في ربط المسؤولية بالمحاسبة الفاعلة عبر تفعيل أدوات الرقابة الصارمة، ومأسسة معايير الكفاءة عبر إخضاع القيادات لمؤشرات أداء مقاسة وجعل البقاء في المنصب مقترنًا بتحقيق نتائج ملموسة، إلى جانب كسر احتكار تدوير الكفاءات بفتح باب التمكين الحقيقي أمام الطاقات الشابة ودماء جديدة تحترم مبدأ الجدارة، وصولاً إلى تأسيس شراكة مجتمعية تفاعلية مع الشارع ومراكز الفكر لاستباق الأزمات وحلها بما يعيد ترميم الثقة المفقودة كرأس مال وطني استراتيجي بين المواطن ومؤسسات دولته.
وهكذا، يظل البناء الفكري الرصين هو الحصن المنيع الذي تُقاس به نهضة الأمم واستدامة دولها؛ فالأوطان لا تُشيد بالأسمنت واللوائح الصماء وحدها، بل تُبنى وتستمر بتجديد المفاهيم وإعلاء شأن العقل النقدي الخلاق. إن أي محاولة للإصلاح التنظيمي بمعزل عن إحداث ثورة في البناء الفكري والذهني لمتخذ القرار لن تعدو إلا ترقيعاً عابراً لجرح غائر.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الإنسان وتطوير منظومة الأفكار والمدارس الإدارية هو الاستثمار الأبقى والأكثر ديمومة، فمتى ما صلح العقل الإداري واستنار بالرؤية الاستراتيجية العميقة، توفرت بالتبع كل الحلول، ووجدت الأوطان طريقها الواثق نحو المستقبل الذي تستحق.
