عبدالرحمن الفزاري
التواضع مع الآخر خلق لا تستطيع أن تتخلّق به ما لم تتعرّف على الآخر وتتقرب منه. فمعرفتك بمحدودية عقلك، وبحدود بحثك، وبالاعتقاد الذي وصلت إليه، يلزمك أن تؤمن بنسبية أن تكون على الحق أو على غير الحق.
بمعنى لا أرفض حقك أن تؤمن بأنك على الحق، لكن هذا الحق لا يؤهلك أن تقصي الآخر أو تتعالى عليه. فإيمانك بصواب ما وصلت إليه لا يعني أنك وصلت إلى الحقيقة كاملة، ولا يعني أن اختلاف الآخر عنك يجعله أقل منك قيمة أو كرامة.
ومن هنا يصبح التعارف ضرورة، لا مجرد فضيلة اجتماعية. فالله لم يخلقنا ليتعالى بعضنا على بعض، وإنما خلقنا للتعارف، وللتدافع، ولنتفاعل مع اختلافاتنا، دون أن يتحول الاختلاف إلى إقصاء أو عدوان. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الحجرات: 13. والتعارف الحقيقي لا يكون من خلال الصور النمطية التي نصنعها عن الآخر، ولا من خلال ما تقول عنه الجماعات المتعصبة، وإنما بالنظر إليه عن قرب، ومحاولة فهمه من داخله، والتعرف على أفكاره ومعتقداته كما يراها هو.
وهنا أجد أن “الوحدة الإنسانية” التي يمكن أن نلتقي عليها، رغم اختلاف الأديان والفلسفات والمعتقدات، هي حاجة الإنسان إلى أن يعامل بكرامة، وأن يتاح له أن يعيش وفق ما يعتقده. وهذا لا يعني أن نتنازل عما نؤمن به، أو أن نساوي بين جميع الأفكار والمعتقدات، وإنما يعني أن نختلف دون أن ننزع عن الآخر إنسانيته وحقه في الوجود والتعبير.
وهذا ما سنجده في كتاب “التعارف: تعريف بالذات ومعرفة الآخر” لبدر العبري. فالكتاب رحلة فكرية حول الأديان، رحلة تعارف ونظر عن قرب إلى الآخر؛ لمعرفة جوهر الأديان والفلسفات المختلفة، مثل الزرادشتية والبوذية والهندوسية والمسيحية واليهودية والبهائية وغيرها، بعيدا عن القراءات الدينية المتعصبة التي تختزل الآخر في صورة مشوهة، وبعيدا كذلك عن الممارسات العنيفة التي تقوم بها جماعات باسم هذه الأديان. “فالإرهاب والتعصب لا دين لهما”. “فهو ظاهرة إنسانية مزمنة، فلا يكاد عصر يخلو منها، وهي مرتبطة بالأدجلة، وتكون في العادة لمصالح سياسية، يستقيها السياسي من الدين، أو خارجه”.1
يحتوي الكتاب على أربع رحلات، كل رحلة معنونة باسم مدينة أو دولة، ينتقل فيها بدر العبري بين دين وآخر، وبين مذهب وآخر، ومن إنسان إلى إنسان. وفي هذه الرحلات لا يكون الآخر مجرد فكرة أو تصور ذهني، وإنما إنسانا يستمع إليه وينظر في تجربته ومعتقده.
ومن العبارات التي تختصر شيئا من هذه الرحلة ما قاله الراهب أتشاريا: “الأديان جميعا تريد الوصول إلى الخالق، ولكن الطرق والوسائل تختلف”.2
ستؤمن بهذا القول كلما تقدمت أكثر في قراءة الكتاب، وكلما اقتربت أكثر من الآخر. ستكتشف أن الجميع يبحث عن الخالق، وأن الجميع يسعى إلى النقاء الروحي وتهذيب النفس، وأن الجميع، في نهاية الأمر، “يبحث عن المحبة. كل إنسان يعبر عن هذا السعي، وعن تلك المحبة، بالطريقة التي اطمئن إليها، وبالإيمان الذي وجد فيه خلاصه”. 3
وهنا تتضح الفكرة أكثر، لا نستطيع أن نقصي أحدا، ولا نستطيع أيضا أن نتنازل عمّا نؤمن به. فالحوار لا يعني التخلي عن اعتقاداتك، والاختلاف لا يعني العداوة. يكون الحوار وسيلة لمعرفة الآخر، وفي الوقت نفسه وسيلة لمعرفة الذات؛ لأنني حين أتعرف إلى المختلف عني، أكتشف حدود أفكاري، وأعيد النظر في المسلمات التي ربما لم أختبرها من قبل.
وهذا ما ستجده في رحلة بدر العبري، فقد جلس في حوارات مع آخرين يختلفون عنه فكريا واعتقاديا، من غير أن يعني ذلك أن يسلم باعتقاداتهم أو يتنازل عن قناعاته، وفي الوقت نفسه لم يقص رأي الآخر أو ينكر حقه في الاختلاف. كان يتفق معه في نقطة، ويختلف معه في نقطة أخرى، دون أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة أو إلغاء. فالإنسانية هي التي كانت تحكم هذه الحوارات، والتعارف هو الطريق الذي يقود الإنسان إلى حفظ كرامة الآخر واحترام آرائه ومعتقداته، ما دامت لا تتسبب في ضرر للآخر أو اعتداء على حقوقه.
قد يرى البعض أن ما يقوم به بدر العبري من فتح باب التسامح مع الآخر، وتوسيع دائرة الحوار والتعارف، مجرد فكرة “طوباوية” – “مثالية” – يصعب تحققها في الواقع. لكنني أرى أن أهمية هذه المحاولة لا على مدى تحقق غايتها النهائية. فما يقوم به هو من وجهة نظري، واجب إنساني على الجميع؛ لأن الإنسان مطالب بأن يعمل من أجل ما يراه خيرا، حتى لو لم يضمن الوصول إلى النتيجة التي يسعى إليها. كما أنه وسيلة لتحقيق “الوحدة الإنسانية وهي الاعتراف بالتنوع الذي خلقنا الله عليه”.4
وفي النهاية، قد لا يكون التعارف قادرا وحده على إنهاء الخلافات، ولن يجعلنا متفقين في الدين أو الفلسفة أو الاعتقاد، لكنه قادر على أن يجعل اختلافنا أكثر إنسانية. وهو قبل أن يكون مشروعا لتغيير الآخر، هو عمل لتنقية النفس من ملوثات التعصب والدوغمائية، وتدريب لها على أن ترى الإنسان المختلف بوصفه إنسانا.
السياسة بالدين. خميس العدوي / ص133
التعارف: تعريف بالذات ومعرفة الآخر. بدر العبري / ص35
المصدر السابق / ص86
المصدر السابق / ص48
