العمانية – شؤون وطنية
يُشكّل المسرح العُماني على وجه الخصوص والعربي على وجه العموم أحد أوجه الفنون الثقافيّة التي تُوجد مساحة حيّة فكرية تُطرح من خلالها قضايا وأفكار ومشاعر مجتمعية وإنسانية تعكس واقع المُجتمع وتُناقش واقعه، كما يشهد المسرح في تجلياته حضورًا واضحًا يعكس ما يقدمه الجيل المسرحيّ الحيّ الذي يحمل رؤى تتعدد سياقاتها، حيث القدرة على التجديد وصناعة التأثير، وصنع فرصًا تصنع مُستقبل المسرح العربيّ بأجياله المُتعاقبة.
هنا تأتي سياقات عديدة حيث العلاقة بين الرواد والشباب لإيجاد شراكة إبداعية واستثمار للمسرح العربي لإيجاد منصات إنتاج وتبادل فكرية تكاملية، وما للمؤسسات من جهود مستدامة في هذا السياق، مرورا بما يمكن العمل عليه لمواجهة التحولات الرقمية ودمج التقنية في العروض وصوت الجذور، ما يمكن تحقيقه من أجل الطاقات الشبابية من دعم احترافي وغيرها مما يمكن النهوض به في السياق المسرحي العُماني والعربي..
في هذا السياق يقول الناقد البحريني الدكتور عباس القصاب أن للفنون الأدائيّة والمسرح بالذات خصوصيّة مُنفردة تتمثل في ضرورة تطوّرها وتحديثها باستمرار، ما يعني انغماسها في التجريب والاشتغال الإبداعيّ الذي يأخذها إلى مناطق جديدة من الوعي الفنيّ والإدراك الجماليّ والتكوين الثقافيّ، ومن الطبيعي أن تكون هناك امتدادات ماضويّة للفن المسرحيّ العريق الذي مُورس مُنذ آلاف السنين، وبديهيًّا أن يستنّ المسرحيون بأساسيات الفنّ المسرحيّ.
وأضاف: بديهيًا أن يستن المسرحيون بأساسيات الفن المسرحي منذ أن وضع أرسطو كتابه فن الشعر كلبنة أولى في التنظير المسرحي، ولكن من الغرابة أن يبقى المسرحيون على نظرياته، أو نظريات من عاصروه أو من جاؤوا بعده من منظّرين في الفن وعلم الجمال والتذوق الفني، فقد نسجت عشرات النظريات والمدارس الفنية في الأدب والدراما، التي تفرض السمات الزمكانية والحضارية أنساقا مختلفة تأخذ بيد الفنان المسرحي إلى كسر بعض القواعد أو تعديلها وتطويرها وفق المتطلبات الحضارية والمشاكل الإنسانية المعاصرة التي ترسم أطرا جديدة.
وقال “القصاب” إن هناك خروجًا عن بعض الأساسيات من خلال تجريب أدوات حديثة لم تختبر من قبل، وبذا عمل المسرحيون على خوض غمار التجريب ليعبّروا عن ذوات حاضرة بثقلها وآلامها وآمالها المُختلفة عمّن سبقهم، أولئك الذين عاشوا في عوالم حضاريّة مُختلفة عما تعيشه إنسانيّة اليوم، وهذا ما استدعى أن يقتحموا عالم ما بعد الدراما، وبعد بعد الدراما، ليخرجوا من العباءة الكلاسيكيّة المُجترة التي لا تتناسب مع المُعطيات الإنسانيّة والحضاريّة اليوم، وبلا شك أنّ هذه الجرأة في التحوّلات والتجريب غير المدروسة بدقة تكون محفوفة بالكثير من المخاطر إذا ترك الحبلُ على الغارب، فربما ينفتل العقال وينفلت من مكانه، فيكون المسرح فاقدًا بوصلته وهويّته المُنفردة الساحرة التي أبقته إلى اليوم، فحينما يُنحّى أهل الخبرة وإبعادهم عن المشهد الثقافيّ والفنيّ والاستغناء عن الخبرات المُتراكمة الناضجة، واستبدالها بمُغامرات انفعاليّة غير محسوبة – تختلف عن التجريب الواعي – ما يُصيب المسرح في مقتل”.
وأكد أن هنا تظهر أهميّة التجسير بين الحماسة الشبابيّة المُتقدة التي ترغب في التعبير عن واقعها بطريقتها الخاصة، وبين حكمة الروّاد وخبرة المخضرمين المُعتد بها. فهناك أهميّة كبيرة في التواصل والتمازج بين الرؤى الفنيّة المسرحيّة الحديثة، وما تمتلك من أدوات جديدة في الكتابة والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والإدارة أيضًا، وبين الخبرات الرياديّة الجادة التي تركت أثرًا إيجابيًا في الساحة الفنيًة، فيكون هناك تلاقٍ محبذ، وليس من الضروري أن يكون متوازنًا بقدر ما يكون منضبطًا، كما لا يُمكن أن التغافل عن أهميّة الجانب الأكاديميّ الحديث الذي يُقدم مناهج حديثة في الدراما والمسرح، إضافة إلى الدراسات البحثيّة الرصينة التي تسعى إلى تقديم رؤى دراميّة إنسانيّة جماليّة إبداعيّة ربما لم يتلقاها الروّاد من قبل، بينما يحرص الشباب على استيعابها وتطبيقها.
من جانبه قال المخرج والناقد المسرحي العراقي الدكتور بشار عليوي إنه لم يعُد الحديث عن مُستقبل المسرح العربيّ يقتصر على البحث في آليات تطوير العرض المسرحيّ أو تحديث أدواته التقنيّة فحسب، بل أصبح يرتبط بصورة أكثر عمقًا بقدرته على إعادة تعريف موقعه داخل الحياة الثقافيّة العربيّة كونه فعلاً إنسانيًا ومعرفيًا يواكب التحوّلات المُتسارعة التي يشهدها العالم المُعاصر، فمُنذ العقود الأخيرة دخلت المُجتمعات العربيّة في سياقات جديدة فرضتها الثورة الرقميّة، وتغير أنماط الاتصال، وتحوّلات الذائقة الجماليّة، وصعود المنصّات الرقميّة باعتبارها وسيطًا ثقافيًّا مُنافسًا، الأمر الذي جعل المسرح أمام تحديات غير مسبوقة تتطلّب مُراجعة مُستمرة لخطابه وأدواته وآليات اشتغاله، دون أن يفقد هويته الفكريّة أو رسالته الإنسانيّة التي شكّلت عبر تاريخه جوهر وجوده واستمراره”.
وأضاف: لعل من بداهة القول إن المسرح العربيّ لا يُمكن أن يُحافظ على تأثيره من خلال التمسك بالأشكال التقليديّة وحدها، كما أنه لا يستطيع أن يُحقق حضوره المُستقبليّ إذا انخرط في موجة التحديث الوسائطيّ كونها غاية مُستقلة عن مضمون الفعل المسرحيّ، فالقيمة الحقيقيّة للمسرح لا تكمن في الوسيط الذي يعبر من خلاله، بل في قدرته على إنتاج الأسئلة وتحفيز التفكير ومن هنا فإن التطوير الحقيقيّ لا يتحقق بإحلال الوسائط محل الإنسان، وإنما بتوظيفها في خدمة الإنسان بما يجعلها أداة لتوسيع أفق التجربة المسرحيّة لا بديلاً عنها”.
وقال إن الممارسة المسرحيّة العربيّة أثبتت بجميع سياقاتها خلال العقود الأخيرة أن الوسائطيّة يمكن أن تفتح فضاءات جديدة أمام العرض المسرحيّ، سواء من خلال توظيف الوسائط الرقميّة أو تقنيات الصورة أو الذكاء الاصطناعيّ أو المنصّات الإلكترونية، إلا أن هذه الوسائط تبقى فاقدة لقيمتها إذا لم تنطلق من رؤية فكريّة وجماليّة واضحة لأن المسرح ظل عبر تاريخه فناً قائمًا على الحضور الإنسانيّ المُباشر وعلى العلاقة الحيّة بين المُمثل والجمهور، وهيّ خصوصيّة لا تستطيع أي وسائط أن تحل محلها مهما بلغت درجة تطورها، لأن جوهر المسرح يكمن في اللقاء الإنسانيّ الذي يتشكل داخل لحظة العرض وفي الطاقة الحيّة التي تتولّد من التفاعل بين الخشبة والمُتلقي، فالمُحافظة على الرسالة الإنسانيّة للمسرح العربيّ لا تعني الانغلاق أمام التحوّلات الوسائطيّة في عصرنا الحالي، وإنما تعني إعادة توظيف هذه التحوّلات ضمن مشروع ثقافيّ يستند إلى فهم عميق لوظيفة المسرح داخل المُجتمع العربيّ فالمسرح فضاء لإنتاج الوعي، ولديه القدرة على صناعة التأثير في المُستقبل وستظل مُرتبطة بقدرته على أن يكون جزءاً من الحياة اليوميّة للإنسان العربيّ، وأن يلامس قضاياه الواقعيّة بعيدًا عن النخبويّة أو الانعزال داخل الأطر التقليديّة للمُمارسة المسرحيّة. وهنا تبرز مسؤوليّة الأجيال الجديدة في صناعة المرحلة المُقبلة إلا أن هذه المسؤوليّة لا يمكن أن تتحقق من خلال القطيعة مع المُنجز المسرحيّ العربيّ السابق أو التعامل معه كونه عبئًا تاريخيًّا ينبغي تجاوزه وإنما من خلال قراءة هذا المُنجز قراءة نقديّة تستوعب إنجازاته، وتكشف في الوقت ذاته عن مناطق القصور فيه.
وأوضح أنه يُمكن القول إن مُستقبل المسرح العربيّ لا يرتبط بالجهود الفردية للمسرحيين وحدهم وإنما يتطلّب وجود مؤسسات ثقافيّة تمتلك رؤية استراتيجيّة بعيدة المدى تتجاوز منطق الفعاليات الموسميّة إلى بناء مشاريع مُستدامة في مجالات التعليم المسرحيّ والنقد والتوثيق والنشر والترجمة والتدريب ودعم الإنتاج ورعاية المواهب الجديدة كالهيئة العربيّة للمسرح بشكل عام والجمعية العُمانية للمسرح بشكل خاص، فالمؤسسة الثقافيّة اليوم مطالبة بأن تتحوّل من جهة منظمة للأنشطة إلى شريك حقيقي في صناعة المعرفة المسرحيّة، وأن توجد بيئة حاضنة تسمح بتراكم الخبرات وتبادلها بين الأجيال المُختلفة”. وقال إن العرض المسرحي اليوم لم يعد نجاحه يقاس بعدد العروض أو المشاركات في المهرجانات وإنما بقدرته على استعادة الإنسان فهو شريكًا في العملية المسرحيّة فالجمهور ليس مُتلقيًّا سلبيًّا بل هو الطرف الذي تكتمل به التجربة المسرحيّة. ويُمكن القول إن مُستقبل المسرح العربيّ سيبقى حيث قدرته على الجمع بين الأصالة والتجديد والذاكرة والمُستقبل وهي معادلة ليست سهلة وتمثل الطريق الأكثر واقعيّة نحو مسرح عربيّ أكثر تأثيرًا وأكثر التصاقًا بالإنسان العربيّ وقضاياه، بما يضمن استمرار رسالته الفنية.
وعبّر الممثل والمخرج المسرحي قاسم الريامي عن رؤيته حيث المسرح والموهبة، وقال يجب أن نتفق أن الموهبة وحدها لا تصنع مشروعًا مسرحيًا مُستدامًا، بل تحتاج إلى منظومة مُتكاملة تحوّلها من إمكانات فرديّة إلى كفاءات احترافيّة”، هنا يأتي دور المؤسسات والمهرجانات والفرق المسرحيّة في بناء مسارات واضحة لتطويرها واستبقائها”.
وأضاف: ينبغي إنشاء برامج تدريب وتأهيل مُستمرة يشرف عليها مُختصون محليون ودوليون، وربط المهرجانات ببرامج استضافة تمتد طوال العام، من خلال الأخذ بالمُلاحظات المُقدمة في جلسات المهرجانات والاشتغال على الأعمال المسرحيّة المُقدمة التي تقدم في المهرجانات أيضًا من خلال عرضها في دور المسرح وفي المُحافظات بعد فترة المهرجان، وتوثيق هذه الأعمال في مراجع موثوقة وألا يقتصر التكريم على الجوائز الماليّة أو الشهادات والدروع وإنما أن يشمل برامج استضافة مثل منح الفائزين مقاعد دراسيّة في المعاهد والمؤسسات المُتخصصة، ولا ننس توفير فرص إنتاج حقيقيّة للخريجين والمواهب الشابة، بحيث ينتقلون من مرحلة التعلم إلى المُمارسة الاحترافية، إيجاد حوافز ماديّة ومعنويّة، مثل العقود، والمنح، والجوائز، والابتعاث، لضمان استقرار الفنان واستمراره، وبناء شراكات بين المؤسسات الثقافيّة والجامعات والقطاع الخاص لدعم المشاريع المسرحيّة وتمويلها، ووضع خطط واضحة للتدرج المهني، تتيح للموهوب أن يرى مُستقبله داخل المسرح كمُمثل أو مُخرج أو كاتب أو تقنيّ أو مُدير إنتاج، إيجاد مقرات ثابتة للفرق المسرحيّة تستطيع من خلالها اللقاء مع مُنتسبيها وعمل برامجها وأنشطتها من عروض مسرحيّة وحلقات ومسابقات وغيرها. فالحفاظ على الطاقات المسرحيّة يتطلب تعزيز مكانة المسرح في السياسات الثقافيّة، وتوفير بيئة عمل مُستقرة تضمن للفنان فرصًا للنمو والإبداع، بما يُقلل من هجرة الكفاءات إلى مجالات أخرى، وهذا ما يوجد منظومة مؤسسيّة مُستدامة تجمع بين التدريب والإنتاج والتمكين والدعم المهنيّ، لتصبح الموهبة مشروعًا مُستمرًا يسهم في نهضة المسرح العربيّ ويضمن استدامة عطائه.
في السياق المسرحي وما يتعلق بمسرح الطفل، قال الكاتب والمخرج المسرحي المصري مجدي محفوظ: تشكل المرحلة القادمة تكاملًا ثقافيًّا عربيًّا من خلال تلك المهرجانات التي ظهرت على الساحة المسرحيّة لمسرح الطفل والذي أحدثت تقاربًا فكريًّا عربيًّا وذلك من خلال المُشاركات في تلك المهرجانات المسرحيّة العربيّة والتي مثلت نقلة نوعية قادرة على إحداث تكامل ثقافيّ عربيّ في ظل تسارع الوسائط المُتعددة والتي تضيق فيها مساحة التعبير والحوار ليظل المسرح هو اللقاء الحيّ الذي يعبر عن قضايا الإنسان ويسهم في بناءه وتنميّة قدراته من خلال الوعي والجمال والحريّة الذي يمثله المسرح هذا الفنّ الذي يعبر عن ضمير وروح المُجتمع بفعلة الثقافيّ والمُقاوم لتلك الهجمة التي غزتها تلك الوسائط المُتعددة على الإنسان ليصبح كل شيء تحت طائلة التكنولوجيا”.
وقال إن المسرح هو تلك الهويّة التي تقاوم تلك الهجمة التكنولوجيّة بل وهو القادر على بث الرسائل الفنيّة والتربويّة من خلال المُشاركات في الاعمال المسرحيّة وخاصة تلك التي تعبر عن مطالب الطفل واحتياجاته، وهذا يتطلب المُساعدة على المُشاركات في الأعمال المسرحيّة وعرضها في البلدان العربيّة لما تمثله من أهمية لدي الطفل وخاصة فيما تمر به المُجتمعات من تطوّر فكريّ تكنولوجيّ ربما يؤثر على الهويّة والتراث العربيّ، وربما حان الوقت للوقوف أمام كل هذا من خلال طرح مشاريع عربيّة تخص ثقافة الطفل العربيّ من خلال المسرح وذلك لقدرته الكبيرة على التأثير المُباشر على فكر الطفل وذلك من خلال التنوّع الثقافيّ لكل دوله مع الحفاظ على تلك المقوّمات الثقافيّة التي ترتبط بالمُجتمع”.
وأضاف: ما لاحظته كثيرًا عند الحضور الي مهرجانات عربيّة، مدى التفاعل معها من خلال الأطفال حيث قدرتها على تجسيد “المشروع المسرحيّ” والذي يصنع تكاملاً عربيًّا يصب في استثمار إنسانيّ فيصنع طفلاً عربيًّا قادر على التعبير، ولديه الاستعداد الكامل لمُواجهة ثقافة العالم المُختلفة والتعامل معها بإيجابيّة دون المساس بقيمه وأخلاقه وعقيدته، فالمسرح لما يمثله من ذاكرة للأمة يحافظ على فنونها وحكايتها وقصصها وما تمثله من أداة تثقيفيّة تنويريّة قادرة على حفظ الهويّة الثقافيّة لتراثنا فهو جسر للتواصل العربيّ والأجنبيّ ويؤكد على الهويّة العربيّة والحفاظ عليها بمعتقداتها وقيمها النبيلة. وتعتبر المهرجانات العربيّة منصات ثقافيّة تسهم في ترسيخ فكريّ عربيّ مُشترك يجمع بين مبدعيّ الوطن العربيّ والعبور به عبر تلك الحدود المحليّة العالميّة.
من جهته، قال المسرحي العُماني أسامة السليمي: أعتقد أن اختزال حضور المسرحيّ الشاب في فكرة (إثبات الذات) لم يعد مُنصفًا في هذه المرحلة؛ لأن السؤال اليوم لم يعد: كيف يثبت الشاب وجوده؟ بل: ماذا يضيف إلى الوعي المسرحيّ؟ وما الأفق الجماليّ والمعرفيّ الذي يفتحه أمام المسرح العربي، ففي تقديري ثمة جيل جديد لم يعد يتعامل مع المسرح كونه منصّة للظهور، وإنما باعتباره مُختبرًا لإنتاج الأسئلة، وإعادة مساءلة المسلمات، وإعادة تعريف العلاقة بين النص والفضاء والجسد والمُتلقي، وهذا التحوّل في الوعي هو الأهم؛ كون أن التجديد الحقيقيّ لا يبدأ من تغيير الأدوات، وإنما من تغيير طريقة النظر إلى المسرح ذاته، كونه فعلًا معرفيًا وجماليًا، قبل أن يكون فعلًا أدائيًا”.
وقال إن صناعة التحوّل لا تتحقق بمُجرد بروز أسماء لامعة؛ فالتاريخ المسرحيّ لم تصنعه المواهب المُنعزلة، وإنما الأجيال التي تحوّلت إلى تيارات فكريّة وجماليّة، استطاعت أن تؤسس خطابًا جديدًا، وأن توجد أثرًا يتجاوز حدود العرض الواحد أو المهرجان الواحد، لذلك ما زال المسرح العربيّ بحاجة إلى الانتقال من الاحتفاء بالأفراد إلى بناء المشاريع، ومن منطق الإنجاز الموسميّ إلى منطق التراكم الثقافيّ، وأرى أن أكثر ما يميز بعض التجارب الشابّة اليوم هو امتلاكها شجاعة السؤال أكثر من امتلاكها يقين الإجابة، فهي لا تستنسخ الأشكال السابقة، ولا تدخل في قطيعة معها، بل تحاورها وتعيد تأويلها في ضوء تحوّلات الإنسان العربيّ والعالم المُعاصر، وهذا الوعي التأويليّ هو الذي يمنح التجربة إمكان البقاء، لأن المسرح الذي لا يعيد إنتاج أسئلته يتحوّل تدريجيًا إلى سياق احتفاليّ فاقد لفاعليته النقديّة ونحن بحاجة إلى مؤسسات تعمل على البحث قبل الإنتاج، وبالتجريب قبل الاستهلاك، وبالنقد كونه شريكًا في صناعة المنجز، وبحاجة إلى فضاءات عربيّة مُشتركة تسمح بتداول التجارب والأفكار، حتى لا تبقى كل تجربة أسيرة جغرافيتها المحليّة.
وختم بقوله: مُستقبل المسرح العربيّ يصنعه اختلاف الرؤى، فالشباب حالة فكريّة تتجدد كلما امتلك المسرحيّ شجاعة إعادة اكتشاف الإنسان، وجرأة مُساءلة الواقع، وقدرة تحويل الخشبة من مكان للتمثيل إلى فضاء لإنتاج المعنى.
