الحبيب سالم المشهور
لا يولد طفل وهو يكره إنسانًا. فالطفل في بداياته لا يعرف إلا البراءة واللعب، وحتى عندما يختلف مع أقرانه أو يتشاجر معهم، فإن خلافه يبقى عابرًا لا يتجاوز لحظته.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده هو: إذا كانت الكراهية ليست فطرة يولد بها الإنسان، فمن أين يتعلمها؟
إن الكراهية تعرف طريقها إلى أطفالنا من خلال كلماتنا. تبدأ أحيانًا من جملة عابرة تُقال في البيت، أو تعليق يسمعه الطفل في مجلس عائلي، أو وصف متكرر لجماعة من الناس بصفة واحدة.
لا أكون مبالغا حينما أقول: إنّ من أخطر ما يمكن أن نورثه لأبنائنا نظرتهم للعالم ومن يشاركهم في الحياة. فكل نظرة أو حكم نصدره على إنسان أو جماعة قد يتحول إلى قيد أو سجن نسجن فيه أنفسنا وعقولنا بل ووجودنا كله!
لذلك ينبغي أن نُذكر أنّ الإنسان أكبر من مذهبه، وأوسع من قوميته، وأغنى من انتمائه الظاهر. ولكل إنسان قصة وتجربة وأحلام ومشاعر، ولا يجوز أن تتحول هوية واحدة من هوياته إلى سجن نضعه فيه!
نحتاج اليوم إلى استعادة شيء من روح الأسلاف في عاداتهم الاجتماعية؛ حيث كان الإنسان يُحترم بوصفه إنسانًا، قبل أن يُنظر إليه من خلال أي تصنيف أو انتماء. ففي الثقافة العمانية، على سبيل المثال، عادات اجتماعية تحمل معاني عميقة في بناء العلاقة مع الآخر، ومن ذلك أخذ العلوم أو المناشدة؛ حيث يبدأ اللقاء بالسؤال عن حال الإنسان وأخباره وأحواله، والتعرف إلى ظروفه وصلاته، قبل أن يدخل الناس في تفاصيل الحديث وشؤونه، ولا يخطر ببال أي عماني أن يسأل عن المذهب؛ لأنه باختصار شأن يخص صاحبه فقط!
ومن هذه التفاصيل اليومية كانت تتشكل ثقافة التعايش؛ إذ يتعلم الفرد أن العلاقة مع الناس تُبنى على المعرفة والقرب والاحترام، لا على البحث عن الفوارق التي قد تجعل التنوع سببا للتباعد.
وهذا لا يعني غياب الاختلاف أو إنكاره، فالاختلاف جزء من طبيعة البشر، لكن المذهب في الوعي الديني السليم هو طريقة في التعبد والفهم، وليس قاعدة لبناء العلاقات أو معيارًا لتصنيف المجتمع. ومن هنا فإن التفريق بين المذهب بوصفه طريقة في التعبد والفهم، وبين الدين بوصفه مبدأً وتجسدًا أخلاقيًا، يفتح فهمًا أوسع للدين، ويعيد التركيز على جوهره ومقاصده الكبرى. وقد عبّر أحد العلماء عن هذا المعنى بعبارة لطيفة: «الدين خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين».
ومن هنا تأتي أهمية الوطن بوصفه مجالًا تربويًا لبناء الشعور المشترك. ففي الوطن يكتشف الطفل أنّ الذين يختلفون معه في بعض التفاصيل يلتقون معه في دوائر أوسع: في المكان الذي يجمعهم، والذاكرة التي يشتركون فيها، والمصير الذي ينتظرهم جميعا.
والانتماء الوطني، حين يُفهم بصورة ناضجة، لا يلغي التنوع ولا يطلب من الناس أن يكونوا نسخة واحدة، وإنما يمنح اختلافاتهم إطارًا جامعًا. ومن خلاله نتعلم أن جمال الحياة لا يكون في تشابهنا الكامل، وإنما في قدرتنا على أن نعيش اختلافنا دون أن يتحول إلى خصومة. وهنا يمكن للطفل أن يرى قيم الإسلام الكبرى؛ من الرحمة والعدل والتعارف، في حياتها اليومية، لا بوصفها شعارات مجردة!
فالخُلاصة التي تختصر الرسالة التي أريد إيصالها: المجتمعات لا تبدأ بالانقسام عندما يختلف الكبار، وإنما عندما ينجح الكبار في توريث خلافاتهم إلى الصغار!
كما أن التعايش لا يبدأ في المؤتمرات والندوات، بل يبدأ من الكلمات الأولى التي يسمعها الطفل عن الإنسان المختلف عنه.
