طلال بن حمد الربيعي
يضعنا مطلع العام الدراسي الجديد (2027/2026م) أمام استحقاق وطني تتجاوز أبعاده حدود الجاهزية التعليمية من كتب وكوادر تدريسية؛ ليمس القضية الأهم والأكثر جوهرية: حماية الأرواح وتأمين سلامة أبنائنا الطلبة؛ فالاستثمار في العقول لا ينفصل إطلاقاً عن بناء بيئة حاضنة تمنح الأسرة والطاقم التدريسي أعلى درجات الطمأنينة، بدءاً من لحظة صعود الطالب إلى الحافلة المدرسية وحتى عودته سالماً إلى بيته.
ومن واقع المشاهدة الميدانية، لم تألُ وزارة التعليم جهداً في تذليل الصعاب لتسهيل بدء العام الدراسي ، وعلى الرغم من الجهود والمبادرات المبذولة، إلا أن غياب آليات واضحة للإلزام والمتابعة والمساءلة أسهم في الحد من فاعلية تلك الجهود وتحقيق الأثر المنشود خلال الاعوام الماضية لذلك ظلت إجراءات الأمن والسلامة ترزح تحت وطأة الروتين والحدود الضيقة. أما المشهد هذا العام فيبدو مختلفاً كلياً؛ إذ نلمس تحولاً جذرياً ونقلة نوعية تتجسد في التعميم الصادر عن سعادة وكيلة الوزارة للبرامج التعليمية المساندة بتاريخ 30 أغسطس 2026م، والذي أرفقت به – ولأول مرة – استمارة تدقيق تفصيلية وضوابط تشغيلية وتنظيمية حازمة لردم الفجوات وتجاوز الثغرات السابقة.
حيث تمثلت أبرز ملامح هذا التحول في نقل ملف السلامة المدرسية من إطاره الشكلي إلى مربع “المسؤولية الشخصية والرقابة المباشرة”؛ فقد ألزمت الوزارة مديري المدارس بالتحقق الشخصي من استيفاء كافة بنود استمارة الأمن والسلامة وتوقيعها بأنفسهم دون تفويض، ثم رفعها مباشرة لمدير عام المديرية بالمحافظة لاعتماد كشف موحد بالمدارس الجاهزة واستبعاد غير المستوفية.
وقد رسمت بنود الاستمارة التي تم صياغتها من قبل المختصين بمكتب الأمن بالوزارة خارطة طريق دقيقة شملت كافة مفاصل البيئة التعليمية ووسائل النقل المدرسية:
• سلامة الحافلات والنقل المدرسي: فرض التعميم “فحوصات ميدانية إجبارية” قبل انتظام الطلبة، مع التركيز على السلامة التقنية والفنية، كفحص وتفعيل “زر إطفاء محرك الحافلة من الخلف”، وتركيب نظام آلي فعّال لمنع نسيان الطلبة داخل الحافلة، مع إستبعاد لأي حافلة مخالفة و شمل ذلك أيضاً فحص التكييف والمقاعد، وتأمين طفايات الحريق، وضبط نسبة تعتيم النوافذ، وتوفير لوحات تحديد السرعة وعبور المشاة، بالإضافة إلى تركيب لوحة إلكترونية موضح عليها اسم المدرسة ورقم الخط الساخن لمراقبة سير الحافلة، ولم تغفل الاستمارة العنصر البشري؛ إذ وضعت ضوابط لسائقي الحافلات المدرسية بأن لا يقل عمر السائق عن 23 عاماً ولا يزيد عن 65 عاماً، مع حيازة رخصة سياقة سارية متوافقة مع وزن الحافلة، والالتزام التام بالزي الرسمي.
• جاهزية المبنى المدرسي والمرافق: ألزمت الاستمارة الإدارات المدرسية بإجراء مسح شامل للمبنى ورصد مكامن الخطورة المتوقعة، وفحص أجهزة إنذار الحريق، وكفاءة كاميرات المراقبة، وتوزيع طفايات الحريق ميدانياً، والتأكد من وجود ترخيص الحماية المدنية ،كما شددت على متابعة التوصيلات الكهربائية، واعتماد توصيلات الغاز بوجود قواطع أمان، وتأمين غرف الكهرباء والمختبرات ومراكز مصادر التعلم، والتأكد من سلامة الأسوار والبوابات والسلالم والمظلات وأغطية الصرف الصحي، وإزالة المباني غير الثابتة.
• خطط الإخلاء والصحة العامة: ركزت الإجراءات على إبقاء مخارج الطوارئ مفتوحة وخالية من العوائق، وتحديث خطط ومخططات الإخلاء وتحديد نقاط التجمع وآلية حصر الطلبة والعاملين، مع مراعاة ذوي الإعاقة والحالات الصحية الخاصة. وعلى صعيد الصحة العامة، تم التأكيد على سلامة مياه الشرب عبر فحص صلاحيتها بواسطة البلدية أو الشركة المختصة، وتنظيف الخزانات والفلاتر والبرادات، وإعداد بديل تشغيلي عند الانقطاع المفاجئ.
ولم تتوقف القرارات عند حدود الصيانة والتطبيق التنفيذي، بل امتدت لتكثيف “البرنامج الإرشادي والتوعوي في مجال الأمن والسلامة المدرسية” ليشمل طلبة مدارس الحلقات الأولى والثانية، استثماراً للنتائج الإيجابية التي حققها البرنامج سابقاً في ترسيخ الوعي الوقائي.
وحتى لا يظل الوعي الوقائي مجرد نصائح شفهية، تقرر أن يُنفّذ في اليوم الدراسي الأول بكافة المدارس برنامج تعريفي شامل يمزج بين الجانبين النظري والعملي:
• الجانب النظري: ينطلق من الطابور الصباحي عبر كلمة توعوية يلقيها مدير المدرسة لتأطير ثقافة السلامة وتعزيز الوعي لدى الطلبة.
• الجانب العملي: يشمل تنظيم جولات ميدانية تعريفية للطلاب داخل مرافق المبنى المدرسي والحافلات المدرسية، لتدريبهم عملياً على طرق الركوب والنزول الآمن، وتلقينهم آلية التصرف والعمل الصحيحة في حال نسيان أي طالب داخل الحافلة المدرسية.
• العرض المباشر والوسائط التوعوية: يتضمن البرنامج عرض أفلام مرئية توعوية هادفة تسلط الضوء على سيناريوهات خطرة مثل نسيان الطلاب في الحافلات، والتوعية بـ “النقاط العمياء” للسيارات والحافلات والمخاطر المحيطة بها.
وقد دعت الوزارة إلى تكثيف المتابعة الميدانية لهذه الفعاليات وإبرازها إعلامياً . كما جاء التعميم الوزاري ليؤكد قاعدة جوهرية مفادها أن استكمال الاستمارة واعتمادها ليس غاية إدارية بحد ذاته، بل هو إقرار صريح بجاهزية المدرسة الفعلية، مما يتطلب معالجة أي ملاحظات ميدانية فوراً وقبل بدء الدراسة.
يبقى السؤال الأهم الذي يطرح نفسه : هل تنجح وزارة التعليم في كسب الرهان هذا العام ليكون عاماً دراسياً خالياً من الحوادث؟
إن القراءة الفاحصة لمضمون التعميم واستمارة الفحص المرفقة به والبرنامج التوعوي المصاحب تؤكد وجود إرادة حقيقية من أعلى الهرم الإداري لإغلاق منافذ الخلل ؛غير أن نجاح هذا الرهان يظل مرتبطا بتحول هذه التعاميم والضوابط إلى سلوك ميداني يومي يمارسه مدير المدرسة، والمشرف، وسائق الحافلة بضمير حي ويقظة تامة. فالأنظمة والاجراءات والتعاميم الرسمية هي خط الدفاع الأول، لكن المسؤولية الأخلاقية والرقابة المستمرة هما الضامن الحقيقي لتظل مدارسنا وحافلاتنا آمنة تمنح أجيالنا الطمأنينة والسلامة.
نتمنى أن يكون هذا العام حافلاً بالخير والبركة والإنجازات.
