أحمد بن علي الشيزاوي – شؤون وطنية
ما أكرم يدا تمتد في خفاء، فتحفظ لأب ماء وجهه وترد إلى طفل ما كاد يفقده من فرح، قبل أن تعلمه الحياة من قسوتها ما لا تزال روحه البريئة أصغر من أن تحتمله.
غدا يعود الأطفال إلى مدارسهم وتفيض البيوت بفرحة الحقائب والثياب الجديدة، بيد أن وراء هذا الضوء ظلالا ثقيلة لا تراها كل العيون؛ أب سرح من عمله فأوصد الرزق بابه في وجهه، وآخر أضناه انتظار وظيفة طال وعدها حتى ذبل الرجاء على عتبتها، وثالث يقلب ما في يده فلا يجد إلا كفا خالية وحاجات تتكاثر من حوله، ثم ينظر إلى صغيره فيرى عجزه ماثلا أمامه في هيئة حقيبة وثوب ودفتر ومصروف يومي.
وما أشد قسوة ضيق ذات اليد حين لا يقض مضجع الرجل وحده، بل يلقي بظله على وجدان ولده، فيراه يرقب أقرانه يمضون إلى مدارسهم ثم يعود إليه بنظرة تختصر ما تعجز الشفاه عن قوله: وأنا يا أبي؟
هنالك ينكسر الأب مرتين، مرة حين تخذله يده ومرة حين يرى عجزها وقد انعكس في وجه من يحب، فيبتلع مرارته كيلا يجرح طفولة ابنه ويستر انكساره بابتسامة واهنة، كأنما يريد أن يخفي عن صغيره أن الحياة قد هزمته في أعز ما كان يرجو أن يظل قادرا عليه.
أما الطفل، فما أقسى أن يستقبله عامه الدراسي بوجه الحياة المتجهم ، فيتعلم قبل أن يفتح كتابا أن العوز إذا دخل بيتا تطاول على أحلام الصغار، فانتزع من يد أحدهم حقيبته ومن وجدانه فرحته، ومن كبرياء أبيه آخر ما بقي له من عزة نفسه.
فهل بيننا من تنهض نخوته لجبر عثرة هؤلاء، فيتفقد بيتا يعرف حاجته أو يكفل صغيرا ليبلغ مدرسته مرفوع الرأس؟
