بلقيس الهنائي
في مكان ما، خلف شاشة هاتف صغيرة، يجلس طفل وحيدًا. لا أحد يسأله كيف كان يومه، ولا أحد يلاحظ أنه بدأ يقضي ساعات أطول في غرفته، أو أن ملامحه تغيّرت، أو أن ضحكته صارت أقل. الأبوان مشغولان، كل واحد منهما غارق في همومه، وربما في هاتفه هو الآخر. وفي هذا الفراغ بالذات، يجد المستغِلّون فرصتهم.
الفراغ العاطفي هو نقطة البداية، الأطفال لا يبحثون عن الأذى، هم يبحثون عن شيء أبسط بكثير، أن يُرى أحد ما وجودهم، أن يشعروا بالاهتمام، أن يجدوا من يستمع إليهم دون أن يُحاسبهم أو يُقاطعهم. وحين لا يجدون هذا في بيوتهم، يذهبون للبحث عنه في مكان آخر. والإنترنت، بكل سهولته وانفتاحه، يقدّم لهم هذا البديل بسرعة مخيفة، شخص “يفهمهم”، يمنحهم اهتمامًا مصطنعًا، يشعرهم بأنهم مميزون. وهذا بالضبط ما يستغله من يتصيدون الأطفال؛ فهم لا يقتحمون حياة طفل محاط بالحب والاحتواء بنفس السهولة التي يقتحمون بها حياة طفل يشعر بالوحدة.
الأمر ليس متعلقًا بغياب المال أو غياب الوسائل التربوية، بل بغياب الحضور. أب يعمل طوال اليوم ثم يعود ليغرق في التلفاز أو هاتفه، أم مرهقة تكتفي بتوفير الطعام والملبس دون أن تسأل عن مشاعر ابنها، هذا النوع من الغياب العاطفي يترك فجوة، وكل فجوة في حياة الطفل قابلة لأن يملأها أحد آخر، ولسنا نضمن دائمًا أن تكون تلك النية طيبة.
كثير من الأهالي يخلطون بين “الرقابة” و”عدم الثقة بالطفل”، فيتركون له الحرية الكاملة في استخدام الأجهزة دون أي متابعة، ظنًا منهم أن هذا احترام لخصوصيته. لكن الرقابة الصحية ليست تجسسًا، هي حضور. هي أن يعرف الأهل من يتحدث معه طفلهم، وما التطبيقات التي يستخدمها، وما الذي يشاهده، دون أن يشعروه بأنه متهم أو مراقَب كسجين. الطفل الذي يشعر أن أهله يهتمون بما يحدث في عالمه الرقمي هو نفسه الطفل الذي سيخبرهم إن حدث له أمر مقلق، لأنه يثق أنهم سيسمعونه لا أن يعاقبوه.
حين يكبر الطفل قبل أوانه، من أخطر ما يحدث في هذه الحالات أن الطفل يبدأ يتعامل مع علاقات لا يملك النضج الكافي لفهمها أو مواجهتها. يجد نفسه في مواقف معقدة، يشعر بالخوف أو الحيرة، لكنه لا يعرف لمن يلجأ، لأن العلاقة مع أهله أصلًا مبنية على مسافة ورسمية، لا على قرب. وهنا تكمن المأساة الحقيقية، ليس فقط أن الطفل تعرّض لخطر، بل أنه واجهه وحده، دون أن يملك حتى فكرة أن بإمكانه أن يطلب المساعدة.
ما الذي يمكن أن يفعله الأهل؟
الحل ليس في منع الأجهزة أو قطع الإنترنت، فهذا غير واقعي في عالم اليوم، ولن يحل المشكلة الجذرية. الحل يبدأ من أبسط الأشياء:
– خصّص وقتًا يوميًا، ولو قصيرًا، تجلس فيه مع طفلك فعليًا، بلا هاتف ولا تشتت، فقط لتسأله عن يومه وتستمع له باهتمام حقيقي.
– لا تجعل حوارك معه مقتصرًا على الأوامر والتوجيهات، بل اترك مساحة لمشاعره، حتى لو بدت لك تافهة أو مبالغًا فيها.
– تابع نشاطه الرقمي بشكل مفتوح ومعلن، لا خفي، واشرح له لماذا تفعل ذلك، حتى يفهمها كحماية لا كعقاب.
– علّمه أن يثق بك بما يكفي ليخبرك إن شعر بالخوف أو الحيرة من أي تواصل غريب، وأنك لن تغضب منه أو تلومه إن حدث ذلك.
– راقب التغيرات المفاجئة في سلوكه أو مزاجه أو نومه، فهي غالبًا أول إشارة على أن شيئًا ما يزعجه.
في النهاية، أخطر ما يهدد أطفالنا ليس التكنولوجيا نفسها، بل الفراغ الذي نتركه خلفنا حين ننشغل عنهم. الطفل الذي يشعر أنه محتضن بالحب، مسموع ومرئي في بيته، هو طفل أصعب اختراقًا وأصعب استدراجًا. الحماية الحقيقية لا تبدأ من برامج الرقابة الأبوية على الهاتف، بل تبدأ من حضورنا الحقيقي في حياتهم، قبل أن يبحثوا عن هذا الحضور في مكان قد لا يكون آمنًا أبدًا.
