سالم السيفي – شؤون وطنية
تُمثل الجريمة في أعمق أبعادها المعرفية مرآة صريحة لا تعكس فقط انحراف السلوك الفردي، بل تكشف عن طبيعة الاختلالات الكامنة في النسيج الاجتماعي والتحولات الهيكلية التي تعتري حركة المجتمع. إنها ليست مجرد طارئ أمني يُحسم بالنص القانوني أو العقوبة الإجرائية، بل هي ظاهرة مركبة تُفصح عن التوتر المستمر بين متطلبات الاستقرار وسرعة التحولات الاقتصادية والتقنية؛ وهو ما يتجلى بوضوح في تسجيل نحو 21 ألف جريمة خلال عام 2025. ومن هذا المنطلق، فإن من الضرورة بمكان قراءة هذه الأرقام والمؤشرات الجرمية ليس لكونها رصداً إحصائياً مجرداً، ولكن لتكون قراءة استراتيجية في أبعاد الأمن الاجتماعي وحماية النسيج الحضاري. فالجريمة في جوهرها اختبار لمدى تماسك المؤسسات، ومدى قدرة السياسات العامة على الموازنة بين النمو والتنمية الأمنية الشاملة، مما يجعل فهم خريطتها خطوة أولى نحو صياغة وعي يقدم الوقاية على العلاج، ويجعل من الأمان ركيزة أساسية لكل نهضة مجتمعية.
كما تُمثل المعدلات الإحصائية للجرائم أحد أهم المؤشرات التي تعكس حجم التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمعات الحديثة. وفي هذا السياق، كشفت المؤشرات الإحصائية الرسمية الصادرة عن الادعاء العام العُماني والأجهزة الأمنية لعام 2025 عن تسجيل نحو 21 ألف جريمة، بنسبة ارتفاع بلغت 14.8% مقارنة بعام 2024 والذي سجل 18.3 ألف جريمة، كما تلقت المؤسسات القضائية أكثر من 55.1 ألف قضية شملت 73,391 متهمًا بزيادة سنوية بلغت 24.7%. إن هذا الارتفاع المتصاعد يثير تساؤلات جوهرية:
كيف يمكن تشريح هذه الأرقام للوقوف على خريطتها الجغرافية والسلوكية؟ وما هي المسببات الهيكلية التي دفعت بهذه المؤشرات نحو الصعود؟ ومن يحمل المسئولية الأساسية في المواجهة، وهل نحن أمام ظاهرة مؤقتة أم منحنى قابل للاتساع؟
لذا تستدعي القراءة الحثيثة تشريح الرقم الإجمالي للجرائم وتوزيعها وفقًا للبيانات والمؤشرات الإحصائية الرسمية الصادرة عن الادعاء العام العُماني، والتي كشف عنها رسمياً خلال مؤتمره الصحفي السنوي الخاص بالإفصاح عن إحصاءات القضايا لعام 2025م والمُنعقد في مسقط؛ حيث توثق هذه البيانات الرسمية توزيع الجرائم وفقًا لطبيعة الفعل المجرم، والنطاق الديموغرافي، والتمركز الجغرافي. وقد تصدرت الجرائم الواقعة على الأموال المشهد الإجرامي بنسبة 62.3% من إجمالي الجرائم نحو 13 ألف جريمة، بارتفاع قدره 33%، وتصدرها الاحتيال الإلكتروني والقضايا المالية كالشيكات بدون رصيد التي تجاوزت 10.4 ألف قضية. وفي المقابل، مثلت مخالفات قوانين العمل والإقامة الشريحة الأكبر عدديًا لدى الادعاء العام بـ 22.3 ألف قضية عمل و9,493 قضية إقامة أجانب، مما يظهر التداخل الوثيق بين الاختلال السكاني والأمني.
أما الجرائم الواقعة على الأفراد والأحداث فقد شكلت 28.8% من الإجمالي، مع تسجيل 482 جريمة أحداث، و1,246 قضية تحرش وإساءة للأطفال، في حين سجل الاحتيال الإلكتروني قفزة بنسبة 50%، رافقها تسجيل 193 قضية غسيل أموال مرتبطة بجرائم عابرة للحدود. وتتضح أبعاد هذا التوزيع عند النظر إلى التركيبة الديموغرافية والجغرافية الواردة في المؤتمر الإحصائي، حيث أظهرت البيانات أن العمالة الوافدة تمثل نسبة 47.5% من إجمالي المتهمين، فيما شكل الذكور 89.2%، والأحداث 1.6%. وتجلى هذا التمركز جغرافياً في محافظة مسقط التي احتضنت الكتلة الحرجية 8,916 جريمة 42% من الإجمالي، تلتها شمال الباطنة 3,002 جريمة 14.3%، ثم جنوب الباطنة 1,985 جريمة 9.4%، ومحافظة ظفار 1,827 جريمة 8.7%، وأخيرًا محافظة الداخلية 1,713 جريمة 8.1%.
وعند البحث في المسببات الهيكلية والدوافع المتداخلة، يتضح أن نمو هذا المنحنى الجرمي يعود إلى تقاطع خمسة محركات استراتيجية؛ أولها الضغوط الاقتصادية وتداعيات تسريح العمالة، حيث يؤدي التعثر المالي وفقدان التدفقات المالية المستقرة إلى رفع معدلات جرائم الأموال كاستجابة اضطرارية لتعويض الفجوة المعيشية. وثانيها الفراغ الهيكلي لدى الباحثين عن عمل، حيث تخلق فترات الانتظار الممتدة بيئة خصبة لاستغلال حاجة الشباب المادية وتجنيدهم كوسائط مالية عبر شبكات الاحتيال دون دراية بالتوابع القانونية. وثالثها الطفرة التقنية والفضاء السيبراني، التي أتاحت لشبكات إجرامية عابرة للحدود استخدام تقنيات التزييف العميق والهندسة الاجتماعية لتنفيذ عمليات احتيال منظمة تستهدف الحسابات البنكية. ورابعها المخاطر الأمنية الناجمة عن العمالة الهامشية والسائبة التي تلجأ لممارسات غير مشروعة لتعويض انعدام الدخل الثابت. وخامسها تراجع أدوار التنشئة والرقابة الأسرية، حيث أكد الادعاء العام أن ضعف التماسك العائلي والانكشاف غير الممنهج على الفضاء الرقمي أدى إلى صعود قضايا الأحداث والاعتداء على الأطفال.
وفي سياق متصل، تبرز ظاهرة العود الجرمي كأحد التحديات الهيكلية التي تستوجب وقفة تقييمية دقيقة؛ فالجزاء القضائي، مهما بلغت صرامته، لا تكتمل غاياته الإصلاحية ما لم تتبعه منظومة متكاملة للرعاية اللاحقة وإعادة التأهيل النفسي والمهني للمحكومين. إن تفادي سقوط المُفرج عنهم في دوامة الجريمة مجدداً يتطلب بناء جسور حقيقية لإدماجهم في مسار الإنتاج والعمل، وتفكيك الحواجز الاجتماعية التي تواجههم، لئلا تحول العقوبة دون تحقيق هدفها الأسمى في تقويم السلوك واجتثاث جذور الجريمة من المجتمع.
وعلى الصعيد الاقتصادي، لا يقتصر الأثر المدمر للجرائم المستحدثة، ولا سيما الاحتيال الإلكتروني وغسيل الأموال، على الخسائر المالية المباشرة للضحايا، بل يمتد ليهزّ بواعث الثقة في بيئة الأعمال والاستثمار الوطني. إن تزايد هذه الممارسات يشكل عبئاً خفياً يستنزف موارد الدولة، ويقوض جاذبية الأسواق، ويهدد الاستقرار المالي للأسر؛ مما يجعل التصدي لها معركة اقتصادية بامتياز دفاعاً عن متانة الاقتصاد الوطني وحمايةً للثروات من النزيف.
وإزاء تطور أساليب الجريمة المعاصرة وانتقالها نحو الفضاء الرقمي،بات لزاماً تطوير المنظومة الأمنية عبر الاستثمار في تقنيات التتبع المتقدم وأنظمة التحليل الشامل للمعلومات والأنماط السلوكية. يتيح هذا التطور الانتقال من مرحلة الاستجابة اللاحقة للوقائع إلى فضاء الاستباق والوقاية المبكرة، حيث تساهم منظومات المعالجة الرقمية المتقدمة وقواعد البيانات المتكاملة في رصد التحركات المشبوهة وإحباط المخططات الإجرامية قبل اكتمال أركانها، لتكون التكنولوجيا درعاً منيعاً للوطن.
إن التساؤل الممتد حول توزيع المسؤوليات ونماذج المواجهة الاستراتيجية يفرض التأكيد على أن إدارة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق جهاز أمني بمفرده، بل هي مسؤولية تضامنية تتوزع بين المؤسسات الأمنية والقضائية المعنية بتطوير آليات التتبع السيبراني، ووزارة العمل والقطاعات الاقتصادية المطالبة بضبط سوق العمل ومعالجة التسريح وتوفير الفرص، والأسرة والمؤسسات التربوية القادرة على تفعيل الرقابة الواعية وغرس القيم. ويمتد هذا التكامل ليشمل البعد المصرفي والدبلوماسي؛ من خلال إقحام القطاع المصرفي كشريك أمني رئيسي عبر إلزام المؤسسات المالية بفرض بروتوكولات حماية بيومترية متطورة لرصد التحويلات المشبوهة وتجميد الحسابات وسيطة الاحتيال فورًا، بالتوازي مع تفعيل الدبلوماسية الأمنية لتعميق التعاون القضائي الدولي في مجال الجرائم السيبرانية وتتبع الأموال المهربة عبر الحدود.
وأخيراً، تظل استراتيجيات المواجهة الأمنية قاصرة ما لم تُتوج ببناء مناعة رقمية ومجتمعية واعية. فالجرائم الإلكترونية تعتمد في جوهرها على استغلال الثغرات البشرية وغياب الثقافة الأمنية لدى الفرد. ومن هنا تتأكد الحاجة الملحة إلى برامج وطنية للتوعية الرقمية تستهدف مختلف شرائح المجتمع، ليكون المواطن والمقيم خط الدفاع الأول والشريك اليقظ الذي يغلق منافذ الاحتيال ويُبطل أساليب الخداع قبل أن تبلغ غاياتها.
ومن هذا المنطلق، تتحدد مقترحات الحلول وخارطة الطريق للاحتواء في عدة مسارات أساسية: أولها التحديث التشريعي المرن لتغليظ عقوبات الاحتيال الإلكتروني وتسهيل التجميد الفوري للأموال المحولة للخارج؛ وثانيها إطلاق برنامج تمكين وقائي وطني يوجه طاقات الشباب والمسرحين نحو العمل الحر التقني والتدريب الرقمي؛ وثالثها التفتيش الميداني الصارم لضبط العمالة المخالفة وتجفيف بؤر التستر؛ ورابعها تدشين منصات إنذار مبكر تتيح للجمهور التحقق الاستباقي من شرعية الفرص الاستثمارية والوظيفية قبل الوقوع في فخ الاحتيال. ويُستكمل ذلك بمحور التأهيل والإعلام الاستباقي عبر تدشين خطاب إعلامي أمني معاصر يعتمد على الشفافية والردع العام، وتطوير منظومة الرعاية اللاحقة لإعادة تأهيل المحكومين والأحداث وضمان إعادة إدماجهم مجتمعيًا واقتصاديًا، لمنع انتكاسهم وسقوطهم في دوامة العود الجرمي.
ختامًا، إن التعامل مع معدلات الجريمة المسجلة لعام 2025 يتطلب الانتقال السريع من أطر المعالجة التقليدية إلى الاستجابة الاستراتيجية الشاملة. فالحفاظ على الأمن الاجتماعي ليس مجرد إجراء شرطي، بل هو حصيلة لتكامل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، بما يضمن صون الاستقرار وحماية النسيج المجتمعي العُماني من أي ارتدادات مستقبلية.
