عبدالفتاح الصناعي
في السياسة، كما في الحياة، لا تُعرف قيمة الضوء في وضح النهار، بل حين يشتد الظلام. وكلما ضاقت في المنطقة مساحات السياسة واتسعت ساحات الحرب، بقي في مسقط باب لا يُغلق أمام الحوار.
وفي واحدة من أشد ليالي الخليج اضطرابًا، جاء بدر البوسعيدي إلى طهران حاملًا معه ما اعتادت عُمان أن تحمله في مثل هذه اللحظات: كلمة هادئة، ومساحة للحوار، ومحاولة لفتح ممر للسياسة وسط طرق أغلقتها الحرب.
لم تحمل الزيارة إعلانًا بانتهاء الأزمة، ولم تقل عُمان إن السلام أصبح قريبًا، لكنها أسهمت في تحقيق ما تحتاج إليه المنطقة الآن: خطوة عملية تمنع الأسوأ وتفتح الطريق أمام الممكن.
فقد أعلنت سلطنة عُمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية التوصل إلى إطار مرحلي لاستئناف الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، يتضمن إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك، وتنفيذ مشروع مشترك لتطهير المضيق من الألغام، ومواصلة المفاوضات بشأن ممر دائم والترتيبات المستقبلية لإدارة حركة الملاحة، إلى جانب آلية لتبادل المعلومات والخدمات الملاحية والأمنية ذات الصلة.
وقد يبدو الأمر تفاهمًا فنيًا يتعلق بالسفن والممرات البحرية، لكن خلف التفاصيل معنى سياسيًا أكبر؛ فهرمز ليس مجرد خط على الخريطة، بل أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، وأي اضطراب فيه تمتد آثاره من الخليج إلى الاقتصاد العالمي.
وهنا تظهر خصوصية الدور العُماني.
فالجغرافيا التي كان يمكن أن تجعل عُمان في قلب المواجهة، جعلتها سياستها جسرًا بين أطرافها. ومسقط، بحكم موقعها وعلاقاتها المتوازنة وخبرتها الطويلة في الحوار، تتعامل مع هرمز باعتباره مساحة ينبغي ألا تتحول إلى خط تماس دائم.
وليس حضور بدر البوسعيدي في هذه اللحظة منفصلًا عن نهج الدولة العُمانية، بل هو تعبير عن دبلوماسية رسختها عُمان عبر عقود، وتمضي بها اليوم في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ؛ دبلوماسية تقوم على الحوار وحسن الجوار واحترام سيادة الدول والبحث عن مساحات الالتقاء حين تضيق مساحات الاتفاق.
ومن هنا، فإن أهمية التفاهم لا تكمن فقط في الممر المؤقت، بل فيما قد يفتحه من أفق أوسع. فالحديث عن ممر دائم وترتيبات مستقبلية للملاحة يطرح سؤالًا مهمًا: هل يمكن أن تتحول أزمة هرمز إلى فرصة لبناء ترتيبات أكثر استقرارًا تحفظ حرية الملاحة، وتصون سيادة الدول الساحلية، وتراعي مصالح المنطقة والعالم؟
ولعل من أهم دلالات التفاهم تأكيده أهمية التشاور مع الدول المطلة على مياه الخليج؛ فمسقط لا تفصل أمن هرمز عن أمن الخليج الأوسع، ولا تنظر إلى المضيق باعتباره مجالًا لتفاهم ثنائي مغلق، بل مساحة تتقاطع فيها حقوق الدول الساحلية ومصالح المنطقة والعالم.
وهنا تبرز قيمة المقاربة العُمانية؛ ففي الوقت الذي تفرض فيه الحرب حسابات القوة وشروطها، تحاول مسقط إبقاء مساحة للحلول العملية والتفاهمات الممكنة.
فليس المطلوب أن ينتصر طرف في هرمز، بل ألا يخسر الجميع هرمز.
وتلك إحدى السمات الراسخة في الدبلوماسية العُمانية؛ فهي لا تبحث عن الانتصار الإعلامي ولا ترفع سقف الوعود، وإنما تعمل بهدوء في المساحات الممكنة، ثم يتضح أحيانًا أن تلك المساحات الصغيرة كانت الممر المتبقي للخروج من الأزمة.
فالسلام لا يولد دائمًا من اتفاق شامل يأتي دفعة واحدة؛ قد يبدأ بخطوة محدودة أو تفاهم فني يعيد شيئًا من الثقة. ولهذا قد تكون القيمة السياسية للممر المؤقت أكبر من مساحته الجغرافية؛ لأنه يثبت أن الحوار ما زال قادرًا على إنتاج شيء ملموس حتى في قلب الحرب.
والأهم أن يتحول هذا المسار إلى أفق إقليمي أوسع؛ فأمن الخليج لا يمكن أن يستقر طويلًا بمنطق المواجهة المفتوحة، ولا تستطيع دولة واحدة تحمل مسؤوليته منفردة. ومن هنا تكتسب الدعوة إلى التشاور بين الدول المطلة على الخليج أهميتها، بما يجعل الحوار وحسن الجوار واحترام السيادة والمصالح المتبادلة جزءًا من بناء الأمن الإقليمي.
وقد يكون هرمز، الذي أصبح خلال الحرب عنوانًا للخوف، فرصة لإعادة طرح سؤال طال انتظاره: هل تستطيع دول المنطقة بناء حد أدنى من الأمن المشترك يحمي الملاحة ويمنع الحرب، حتى عندما تختلف في السياسة؟
إن نجح ذلك، فلن يكون الممر المؤقت مجرد طريق تعبر منه السفن، بل ربما يصبح بداية طريق تعبر منه المنطقة نفسها من الحرب إلى السياسة.
ولا تزال الطريق طويلة، والحرب لم تنته، والتفاهمات تحتاج إلى الصبر والثقة. لكن السياسة لا تبدأ دائمًا باتفاقات كبرى؛ أحيانًا تبدأ بممر صغير وسط بحر مضطرب، وبكلمة هادئة وسط ضجيج المدافع.
وفي هرمز، تحاول عُمان مرة أخرى أن تجعل من الجغرافيا جسرًا لا متراسًا، ومن الحوار طريقًا حين تضيق الطرق.
وحين تضيق طرق السياسة وتشتد عتمة الحرب، تبقى قيمة الدبلوماسية في قدرتها على إبقاء نافذة للضوء مفتوحة.
