علياء الجردانية
في غرفةٍ بيضاء داخل أحد المستشفيات، كانت أم سليمان تُصارع أنفاسها الأخيرة بصمتٍ يشبهها. جسدٌ أنهكه المرض، وروحٌ ما زالت متشبثة بالحياة، لا من أجل نفسها، بل من أجل أبنائها الذين لم تتوقف يومًا عن حمايتهم حتى وهي على حافة الرحيل.
لم تكن تلك اللحظات سوى امتدادٍ لسنوات طويلة من الصبر، عاشت فيها أم سليمان حياةً لم تعرف فيها الراحة، لكنها عرفت كيف تُخفي الألم بابتسامة، وكيف تُحوّل القسوة إلى قوة، والحرمان إلى عطاء.
وُلدت أم سليمان في أواخر خمسينيات القرن الماضي، في زمنٍ كانت فيه الحياة الريفية مختلفةً عن أيامنا هذه؛ زمنٌ كانت فيه الطفولة تحمل نصيبًا مبكرًا من المسؤولية، وكانت تفاصيل الحياة اليومية تُنجز باليد، وبالمشقة، وبالتعاون بين أفراد الأسرة.
ترعرعت بين بنات عمها، وكانت طفولتهن حافلةً بأيامٍ لا تشبه طفولة اليوم. كنّ يخرجن منذ الصباح إلى أطراف القرية، يحملن الحبال والسلال، ويذهبن لجمع الحطب من أشجار السدر والسمر، فيكسرن الأغصان اليابسة ويحملنها على ظهورهن إلى البيوت لتكون وقودًا للنار. وكانت العودة إلى البيت لا تعني نهاية العمل؛ فهناك الماء والطعام وشؤون المنزل التي تنتظرهن.
وكان الفلج جزءًا من تفاصيل حياتهن اليومية؛ عنده يغسلن الملابس، ويجلسن يتبادلن الحديث، وفي مائه البارد يستحممن، بعيدًا عن صخب المدن وضجيجها. كانت أيامهن بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحكايات والضحكات الصغيرة التي تصنعها الرفقة.
وحين ينضج الرُّطب وتأتي مواسم النخيل، كنّ يذهبن إلى النخيل ليرقُطن الرقاط، يجمعنه من تحت الأشجار، ويعدنه إلى البيوت، في صورةٍ تختصر حياة القرية العُمانية القديمة؛ نخيلٌ وفلج، وحطبٌ من السدر والسمر، ونساءٌ وفتياتٌ يعرفن العمل منذ الصغر، ويجدن في التعاون متعةً لا تُشبهها متعة.
كانت تلك التفاصيل البسيطة هي المدرسة الأولى لأم سليمان؛ فيها تعلمت الصبر، وتحمل المسؤولية، والاعتماد على النفس، وفيها تشكلت شخصيتها التي سترافقها طوال حياتها.
وفي سن الرابعة عشرة، دخلت مرحلة جديدة من حياتها بالزواج، وهي تظن أن الأيام القادمة ستكون أكثر هدوءًا. غير أن الحياة لم تمهلها طويلًا، إذ لم تمضِ سوى سنة ونصف حتى عصفت بها أزمة عائلية امتدت آثارها إلى بيتها، فانفصلت عن زوجها وهي تحمل طفلتها الأولى، وأخرى لم تولد بعد.
كانت تلك من أقسى محطات عمرها. فقدت طفلتها الصغيرة لفترة، وعاشت ألم الانكسار بصمتٍ ثقيل، قبل أن تعود الحياة لتجمعها بزوجها من جديد، لا لأن الجراح اندملت، بل لأن قلبها اختار أن يُبقي الأسرة قائمة مهما كان الثمن.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت رحلة أخرى عنوانها الصبر.
رزقها الله بتسعة أبناء؛ خمس بنات وأربعة أولاد، نشأوا في بيتٍ بسيط، لا يملك من الدنيا إلا القليل، لكنه كان عامرًا بالحب. لم تكن أم سليمان تملك الكثير لتقدمه، لكنها كانت تمنح أبناءها ما هو أثمن: الطمأنينة، والرضا، والإحساس بأنهم أغنى من غيرهم بما يملكونه من أسرة متماسكة.
كان زوجها يعمل في مسقط، ويعود في نهاية الأسبوع، ويقود سيارة أجرة ليؤمّن احتياجات أسرته ووالديه. وفي غيابه، كانت أم سليمان هي البيت كله؛ الأم، والأب، والسند، واليد التي لا تتعب.
كانت تعتني بالمواشي، وتصنع اللبن والسمن، وتدير تفاصيل الحياة اليومية بصبرٍ لا يعرف الشكوى، حتى أصبحت مثالًا يُروى في البيوت عن المرأة التي تُعطي دون أن تنتظر مقابلًا.
ومع مرور السنوات، لم تكن خسارات أم سليمان قد انتهت. ففي عام 2010، عاشت واحدةً من أشد التجارب إيلامًا في حياتها؛ مرضت والدتها، فتولت رعايتها والقيام على خدمتها حتى آخر أيامها. لم تتركها وهي في أشد ضعفها، وظلت إلى جوارها في منزلها، تراقب أنفاسها وتعتني بها وتؤنس وحدتها، حتى جاء اليوم الذي فارقت فيه أمها الحياة بين يديها.
كان رحيل الأم جرحًا مختلفًا؛ فالأم التي كانت يومًا مأوى الطفولة وسندها، أصبحت ذكرى. ومنذ ذلك اليوم، حملت أم سليمان في داخلها فقدًا لم تكن تتحدث عنه كثيرًا، لكنها كانت تعيشه في صمت.
ثم جاء عام 2015 حاملاً فقدًا آخر، حين توفي أخوها. وبعد خمس سنوات، في عام 2020، رحلت أختها الصغرى؛ آخر العنقود، وأصغر إخوتها، والتي كانت دائمًا إلى جانبها ورفيقة دربها. كانت أختًا تشاركها تفاصيل الأيام، وتعرفها في أفراحها وأحزانها، وتستند إليها كما تستند إليها أم سليمان.
تتابعت الخسارات عليها، وكأن كل عامٍ كان ينتزع منها جزءًا من ذاكرتها وطفولتها وأمانها القديم. ومع رحيل أمها ثم أخيها ثم أختها، دخلت أم سليمان في دوامة من التفكير والفقد، وأصبح الحزن رفيقًا صامتًا لا يفارقها.
وبدأ جسدها، الذي احتمل سنوات طويلة من العمل والتعب والحزن، يدفع ثمن ما أخفته الروح.
تكررت الوعكات الصحية، ثم جاء المرض الأخير أكثر قسوة؛ تجمع سوائل في الرئتين، ثم فشل كلوي استدعى الغسيل، وسفرًا إلى الهند بحثًا عن أملٍ جديد. عادت يومها بابتسامة خافتة، أوهمت بها أبناءها أن الطريق إلى الشفاء قد بدأ، لكن المرض كان أعمق من الأمل.
على مدى عشرة أشهر، تنقلت بين المستشفيات، تُقاوم الألم بصمت، حتى دخلت في غيبوبة استمرت أسبوعين، كانت فيها الحياة معلّقة بين دعاء الأبناء وصمت الأجهزة الطبية.
وفي تلك الأيام الثقيلة، اتخذ زوجها قرار الزواج، وكان الأبناء على علمٍ بذلك، بينما كانت أمهم غائبة عن الوعي، لا تسمع شيئًا من ضجيج الحياة الذي طالما أخفته عنها.
وبعد ثلاثة أيام فقط من زواجه، أسلمت أم سليمان روحها إلى بارئها، بهدوءٍ يشبه رحيلها في الحياة؛ بلا ضجيج، بلا شكوى، وكأنها أنهت مهمتها وغادرت مطمئنة.
لم يكن رحيلها حدثًا عابرًا في حياة أسرتها، بل كان انكسارًا كبيرًا لبيتٍ كان يستند إلى قلبها. أدرك الأبناء بعد غيابها حجم الفراغ الذي تركته، وكيف كانت تحميهم من تفاصيل كثيرة لم يكونوا يعرفونها، وكيف كانت تُخفف عنهم قسوة الحياة دون أن يشعروا.
رحلت أم سليمان في أواخر الخمسينيات من عمرها، لكنها تركت خلفها سيرة امرأة لم تعش لنفسها يومًا، بل عاشت لأجل الآخرين.
امرأةٌ بدأت طفولتها بين أشجار السدر والسمر، تحمل الحطب على ظهرها، وتغسل الملابس عند الفلج، وتستحم في مائه، وترقُط الرُّطب من النخيل، ثم كبرت وهي تحمل مسؤوليات أكبر من عمرها، حتى أصبحت أمًا لأسرة كاملة، وسندًا لمن حولها.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لم يكن الصبر بالنسبة إليها مجرد صفة، بل كان طريقة حياة.
ويبقى حضورها اليوم في دعوات أبنائها، وفي تفاصيل البيت الذي كان يكتمل بها، وفي ذاكرةٍ لا تنسى امرأةً جعلت من الصبر حياة، ومن العطاء رسالة، ومن الأمومة معنى لا يُنسى.
