د. رحمة البلوشي – باحثة وأكاديمية مختصة في الدراسات والتميز المؤسسي
للبطيخ مكانة رفيعة في قلوبنا فهي ملكة الفواكه التي تتربع على عرش الفواكه الصيفية، ولمكانتها ولذاذتها فإننا نختلف أحيانا في الطرق الشعبية لاختيار الجيد والناضج منها، فهناك من يطرق عليه، ومن يتأمل لونه، ومن يراقب الخطوط على قشرته، ومن يزعم أن لديه خبرة متوارثة تمكّنه من معرفة ما في الداخل دون أن يشق الثمرة، لكن يبدو أن البطيخ الذي نحبه لم يعد موجودا في أسواق الخضار فقط، فقد تكاثر ونما واستقر في المؤسسات أيضا، وأصبحنا نراه في غرف الاجتماعات، ثم وجد طريقه كذلك إلى التقارير والعروض التقديمية والشاشات والمؤشرات. وفي الإدارة ظهر تعبير طريف ودقيق يسمى (تقاريرالبطيخ (Watermelon Reporting والمقصود به تلك التقارير التي تبدو خضراء من الخارج، بينما الواقع في داخلها أحمر، فالمؤشرات مطمئنة، ونسب الإنجاز مرتفعة، والخطة تسير وفق المستهدف، والمشروعات تمضي حسب الجدول الزمني؛ لكنك ما إن تشق هذه القشرة الخضراء حتى تجد التأخير والتعثر والمشكلات المتراكمة والقرارات المؤجلة.
وهذا يعيدني إلى مقال كتبته سابقاً بعنوان : كل شيء يبدو نظيفاً.. حتى نرفع السجادة، وكان الحديث فيه عن تلك المؤسسات التي تتقن ترتيب المشهد الظاهر، بينما تدفع مشكلاتها إلى أماكن لا تصل إليها العين، فالفوضى لا تختفي لمجرد أننا أخفيناها، والمشكلة لا تُحل لأنها غابت عن التقرير أو ابتعدت عن طاولة الاجتماع، لكن يبدو أن علينا هذه المرة أن نذهب أبعد من رفع السجادة، فبعض المؤسسات لم تعد تكتفي بإخفاء ما لا تريد أن نراه، بل أصبحت بارعة في صناعة ما تريدنا أن نراه، وهنا يأتي البطيخ، والفرق بين السجادة والبطيخ يستحق التأمل، فتحت السجادة نخفي المشكلة، أما في البطيخ فنصنع فوق المشكلة صورة نجاح، وهذه مرحلة أكثر خطورة، لأن المؤسسة في الحالة الأولى تعرف أن لديها مشكلة وتحاول إبعادها عن الأنظار، أما في الثانية فقد تنشغل مع الوقت بالصورة إلى درجة أنها تبدأ في تصديقها،عندها لا يعود السؤال: كيف نصلح الواقع؟ بل كيف نحافظ على اللون الأخضر؟ وهنا تحديداً تكمن المشكلة؛ لأن البطيخ الإداري لم يعد مقتصراً على التقارير فقط ، فلقد تطورت زراعته، وأصبح لدينا، إلى جانب بطيخ التقارير، أصناف أخرى أكثر قدرة على الانتشار والبقاء.
هناك مثلاً بطيخ الإعلام، وهو أن يصبح الإعلان عن العمل أهم من العمل نفسه فتبدأ المبادرة بصورة، ويستمر المشروع بخبر، وينتهي بفيديو، وبين الصورة والخبر والفيديو قد تبحث طويلاً عن الأثر الحقيقي فلا تجده، وليس في الإعلام المؤسسي عيب بطبيعة الحال، بل إن التواصل مع الجمهور، وإبراز الإنجازات، وشرح الأعمال، جزء أصيل من الإدارة الحديثة ولكن الخلل يبدأ حين تنقلب العلاقة، فلا يعود الإعلام وسيلة لنقل الإنجاز، بل يصبح بديلاً عنه، عندها لا نسأل ماذا أنجزنا؟ بل ماذا نشرنا؟ ولا يصبح المؤشر عدد المشكلات التي قمنا بحلها، أو الخدمات التي تحسنت، أو الإجراءات التي اختُصرت، بل عدد الأخبار والتغطيات والمقاطع والمشاهدات، وهنا يصبح ممكناً لمؤسسة أن تكون شديدة النشاط في حساباتها، شديدة السكون في ممراتها ومكاتبها.
وهناك بطيخ الفعاليات،اجتماعات، وورش، وملتقيات، وجلسات عصف ذهني، ولجان تتفرع منها لجان، وصور جماعية توحي بأن المؤسسة تعيش أكثر مراحلها حيوية، ولكن السؤال الذي يفسد هذه الحفلة دائماً بسيط، ماذا تغير بعد ذلك؟ كم قراراً اتُّخذ؟ وكم مشكلة أُغلقت؟ وكم إجراءً تغير؟ وكم فكرة تحولت إلى ممارسة؟ فالاجتماع ليس إنجازاً، والورشة ليست نتيجة، وتشكيل اللجنة ليس حلاً، هذه كلها أدوات يفترض أن تقود إلى أثر، أما حين تتحول الأداة نفسها إلى إنجاز، فنحن أمام صنف آخر من البطيخ، قشرة براقة، ومحتوى أقل بكثير مما توحي به.
ثم هناك صنف شديد الإغراء، بطيخ الأرقام والبيانات، فالرقم بطبيعته يمنح الكلام هيبة، وما إن نضع علامة النسبة المئوية بجانب أي جملة حتى تبدو علمية ومقنعه، ارتفع الأداء 40%.، تحققت المستهدفات بنسبة 92%. ، نُفذت 87 مبادرة، استفاد 30 ألف شخص ، كلها أرقام قد تكون صحيحة تماماً، ومع ذلك لا تقول شيئاً إذا لم نسأل، مقارنة بماذا؟ وما تعريف الإنجاز؟ وما جودة المخرجات؟ وما الأثر؟ وهل تغير الواقع فعلاً؟ يمكن لمؤسسة أن تنفذ مئة مبادرة دون أن تحل مشكلة واحدة، ويمكن لجهة أن تحقق جميع مؤشرات خطتها بينما تتراجع جودة خدمتها الأساسي، فالقياس الرديء لا يكشف الوهم؛ أحياناً يمنحه رقماً.
ولكن أخطر أنواع البطيخ في رأيي ليس تقريراً ولا رقماً ولا حملة إعلامية، إنه بطيخ المؤسسة نفسه، ذلك يحدث عندما تكون الصورة الخارجية للمؤسسة أجمل بكثير من واقعها الداخلي من الخارج، فهناك استراتيجية، وهوية بصرية، ورسائل طموحة، ومبادرات، وأخبار نجاح متتابعة، ومن الداخل قد تجد شيئاً مختلفاً تماماً: اختصاصات متداخلة، قرارات لا يُعرف صاحبها، إدارات معطلة، هياكل تنظيمية موجودة على الورق وغائبة في الممارسة، موظفين لا يعرفون حدود صلاحياتهم، ومسؤوليات تنتقل بين المكاتب بحثاً عمّن يقبل حملها، وهنا نصل إلى مسألة شديدة الأهمية: تعطيل الهياكل التنظيمية والعمل بمبدأ الفوضى، فالهيكل التنظيمي ليس رسماً أنيقاً من مربعات وخطوط يوضع في دليل المؤسسة، وظيفته الأساسية أن يحدد من يفعل ماذا، ومن يملك القرار، ومن يتحمل المسؤولية، ومن يُحاسب على النتيجة، وحين يُعطّل الهيكل، هنا تبدأ الفوضى الإدارية، فتنشأ مسارات موازية للقرار، وتتجاوز بعض الوحدات اختصاصات وحدات أخرى، وتُسحب الصلاحيات من مواقعها الطبيعية، وتظهر تكليفات مؤقتة تصبح دائمة دوافعها مكاسب مادية ومصالح شخصية، ولجان تقوم بأعمال الإدارات، وأفراد تصبح سلطتهم الفعلية أكبر من مواقعهم التنظيمية، وبعد فترة لا يعود السؤال: ماذا يقول الهيكل؟ بل: من يستطيع الوصول إلى صاحب القرار؟ وهذه لحظة خطيرة في حياة أي مؤسسة، لأن الإدارة تنتقل عندها من حكم النظام إلى حكم العلاقات، وحين تتعطل الهياكل، لا تختفي المسؤوليات، بل تصبح سائبة وعندما تصبح المسؤولية سائبة، يصبح من السهل جداً أن ينجح الجميع عند الإنجاز، وألا يكون أحد مسؤولاً عند الإخفاق، وهكذا تتحول الفوضى نفسها إلى نظام غير مكتوب، والأخطر أن المؤسسة قد تعتاد هذا الوضع إلى درجة أن يصبح الاستثناء هو القاعدة، والقاعدة مجرد مخطط تنظيمي جميل معلّق على الجداران، وحين تضعف المؤسسة من الداخل، تزداد حاجتها ـ للمفارقة ـ إلى أن تبدو قوية من الخارج وهنا تتشكل العلاقة بين ضعف الإدارة وكثرة البطيخ، فالإدارة الواثقة لا تخشى الأرقام السيئة، لأنها تراها معلومات تساعدها على التصحيح، أما الإدارة الضعيفة فتتعامل مع الرقم السيئ باعتباره تهديداً لصورتها، وهكذا تنشأ لغة إدارية كاملة وظيفتها الأساسية ألا تقول الحقيقة كاملة، وهذا هو المصنع الحقيقي للبطيخ، فالموظفون لا ينتجون تقارير وردية من فراغ، أحياناً تكون المؤسسة نفسها قد علمتهم أن الحقيقة مكلفة، وأن من يكشف المشكلة قد يُحاسب عليها أكثر ممن تسبب فيها، وأن ناقل الخبر السيئ يصبح جزءاً من الخبر، وعندها تصبح المؤشرات الخضراء وسيلة دفاع، لا أداة إدارة، وتحدث المفارقة الكبرى، فكل شيء أخضر، لكن لا شيء يعمل كما ينبغي، التقارير ممتازة، والاجتماعات منتظمة، والأخبار متتابعة، والمؤشرات مرتفعة، والعروض التقديمية مذهلة، ومع ذلك تتراكم المشكلات، ويغادر أصحاب الكفاءة، وتتداخل الاختصاصات، وتتأخر القرارات، ويصبح الحصول على إجابة واضحة عن سؤال بسيط رحلة إدارية طويلة، في هذه المرحلة لا تعاني المؤسسة من نقص المعلومات، إنها تعاني من فائض الصورة ونقص الحقيقة، والفوضى المؤسسية لا تعني بالضرورة أن ترى الأوراق مبعثرة والمكاتب مهجورة، هناك فوضى حديثة شديدة الأناقة: لها عروض تقديمية ممتازة، ولوحات مؤشرات رقمية، واجتماعات دورية، وتقارير شهرية مصممة بعناية، إنها الفوضى التي ترتدي بدلة رسمية، ومن هنا لا يعود البطيخ مجرد وصف لتقرير مضلل، بل يتحول إلى ثقافة إدارية كاملة: إعلام أكثر من العمل، وفعاليات أكثر من النتائج، وأرقام أكثر من الأثر، وهياكل تنظيمية جميلة على الورق بينما تُدار المؤسسة فعلياً بمنظومة أخرى لا تظهر في أي هيكل.
وهنا نعود إلى قصة السجادة، فتحت السجادة نستطيع أن نخفي الغبار لبعض الوقت، وعلى قشرة البطيخ نستطيع أن نرى لوناً أخضر مطمئناً، لكن الغبار سيبقى موجوداً، وما في داخل البطيخة لن يغيره لون قشرتها، وربما تكون المشكلة الحقيقية في المؤسسات ليست أننا لا نعرف ما يحدث، ففي كثير من الأحيان يعرف الجميع، فالجميع يرى السجادة، ويعرف تقريباً ماذا يوجد تحتها، والجميع يرى القشرة الخضراء، ويعرف أن الداخل قد لا يكون باللون نفسه، لكن المؤسسات تبدأ في التراجع حين يصبح الاتفاق الضمني هو: ألا يرفع أحد السجادة، وألا يشق أحد البطيخة، وهنا لا تعود المشكلة في التقرير، ولا في الإعلام، ولا في المؤشرات، المشكلة تصبح في ثقافة اختارت أن تحمي الصورة من الحقيقة، بدلاً من أن تستخدم الحقيقة لإصلاح الصورة، ولهذا، ربما لم يعد السؤال الذي يجب أن نطرحه على مؤسساتنا: كم مؤشراً أخضراً لدينا؟ بل سؤال أبسط وأكثر إزعاجاً: ماذا سنجد لو رفعنا السجادة… ثم شققنا البطيخة؟
التوقيع: المؤسسات الرائدة لا تخشى رفع السجادة، ولا يقلقها أن تشق البطيخة، لأنها لا تبحث عن واقع يبدو جميلا، بل أن تصنع واقعا يستحق أن يُروى.
