حمود بن علي الطوقي
«عُمان منّا ونحن منهم، إخوتنا وأشقاؤنا وعضدنا».. لم تكن هذه الكلمات التي قالها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، مجرد عبارة بروتوكولية، بل جاءت تعبيرًا صادقًا عن علاقةٍ استثنائية تجمع سلطنة عُمان ودولة الإمارات؛ علاقة تتجاوز حدود الجغرافيا وحسابات السياسة، لتستند إلى تاريخ مشترك، وروابط اجتماعية وأسرية، ومصير واحد يجمع الشعبين الشقيقين.
فعندما تُذكر العلاقات العُمانية الإماراتية، فإن الحديث لا يبدأ من الاتفاقيات الرسمية ولا ينتهي عند المصالح الاقتصادية، بل يعود إلى جذورٍ عميقة نسجتها القبائل والعائلات والمصاهرة والتجارة وحركة الإنسان بين البلدين منذ عقود طويلة. ولهذا ظلّ المواطن العُماني في الإمارات، والمواطن الإماراتي في عُمان، يشعر بأنه بين أهله وفي وطنه؛ فاللهجة والعادات والتقاليد والمجالس والموروث الشعبي تشهد جميعها على وحدة النسيج الاجتماعي والثقافي.
وقد رسّخ السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، هذه العلاقة على أسسٍ راسخة من الحكمة والمحبة والاحترام المتبادل. وكان الزعيمان يؤمنان بأن قوة البلدين من قوة بعضهما، وأن الجوار الحقيقي لا يُقاس بطول الحدود، بل بما يسكن القلوب من مودة، وما يجمع الشعوب من مصالح ومواقف ومصير مشترك.
واليوم، تمضي العلاقات في مسارها المتين بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظهما الله ورعاهما؛ حيث تتجدد الأخوّة التاريخية برؤية عصرية تنظر إلى المستقبل، وتفتح آفاقًا أوسع للتعاون والتكامل في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والسياحية والثقافية، بما يحقق تطلعات الشعبين ويعزز مسيرة التنمية في البلدين.
وتحمل اللقاءات المتواصلة بين قيادتي البلدين دلالاتٍ تتجاوز المراسم الرسمية؛ ففي صور المصافحة وحديث الأخوّة ودفء الاستقبال تتجلى علاقةٌ إنسانية وسياسية نادرة، تؤكد أن عُمان والإمارات لا تتعاملان بمنطق دولتين متجاورتين فحسب، بل بروح البيت الخليجي الواحد. ولعل الصورة التي تجمع جلالة السلطان هيثم بن طارق وأخاه الشيخ محمد بن زايد، وهما يمشيان يدًا بيد، تختصر الكثير مما قد تعجز الكلمات عن وصفه؛ فهي صورة للثقة، وامتداد للمحبة، ورسالة بأن الطريق نحو المستقبل يُبنى بالشراكة والتكاتف.
إن المصالح المشتركة بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات تمثل اليوم قاعدةً مهمة للانتقال بالعلاقة إلى مستويات أكثر اتساعًا، خصوصًا في ظل ما يمتلكه البلدان من إمكانات اقتصادية ومواقع استراتيجية ورؤى تنموية طموحة. وقد شهدت السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا في حجم التبادل التجاري بين البلدين، وتوسعًا في الاستثمارات المتبادلة في قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والعقارات، والسياحة.
كما تُعد المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم في سلطنة عُمان، ومشاريع الموانئ والمناطق الحرة في البلدين، من أبرز مجالات التكامل الاقتصادي، حيث تفتح آفاقًا واسعة للشراكات الإماراتية في مجالات التطوير والاستثمار والخدمات البحرية واللوجستية. وفي المقابل، تشكل المراكز المالية والاقتصادية في دولة الإمارات بوابة مهمة لتعزيز تدفق الاستثمارات العُمانية إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
ويبرز كذلك مشروع خط السكك الحديدية الخليجي المخطط له كأحد أهم المشاريع المستقبلية التي ستعزز الربط بين البلدين، وتدعم حركة التجارة والسفر، وتزيد من مستويات التكامل الاقتصادي بينهما. كما تتواصل الجهود في تعزيز الربط البري وتسهيل حركة الأفراد والبضائع عبر المنافذ الحدودية، بما يرسخ مفهوم الاقتصاد المتكامل ويعزز من تنافسية البلدين في المنطقة.
كما أن الشعبين الشقيقين يمثلان الضمانة الحقيقية لاستمرار هذه العلاقة؛ فالمحبة بينهما ليست وليدة مناسبة سياسية، ولا مرتبطة بمرحلة زمنية، وإنما هي إرث تتناقله الأجيال. وما نشاهده من مشاعر صادقة في المناسبات الوطنية، ومن حضور متبادل في الأفراح والأتراح، يعكس حقيقة أن الروابط الشعبية كانت وستظل العمق الأصيل للعلاقات الرسمية.
وفي عالمٍ تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه المصالح، تبقى العلاقات العُمانية الإماراتية نموذجًا للعلاقات التي تحميها الحكمة، وتصونها الأخوّة، وتقوّيها المصالح المشتركة. إنها علاقة تستمد قوتها من الماضي، وتعيش ازدهارها في الحاضر، وتتجه بثقة إلى مستقبل أكثر تكاملًا ورسوخًا.
وستظل عبارة الشيخ محمد بن زايد: «عُمان منّا ونحن منهم، إخوتنا وأشقاؤنا وعضدنا»، عنوانًا بليغًا لهذه المسيرة؛ فالعُمانيون والإماراتيون ليسوا أبناء جوارٍ فحسب، بل أهلٌ يجمعهم التاريخ والدم والمصير. وإذا كان العضد هو موضع القوة والسند، فإن عُمان والإمارات ستبقيان، بإذن الله، عضدًا لبعضهما، ويدًا واحدة في خدمة شعبيهما وتعزيز أمن الخليج واستقراره وازدهاره.
