خاص ـ شؤون وطنية
يقول المنشد العماني إسماعيل المحاربي إن الإنشاد العماني يشهد تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، إذ إنه لم يعد مقتصرا على المناسبات الدينية بل صار حاضراً في كل المحافل الفنية والثقافية والمناسبات الاجتماعية.
وأضاف -في حوار مع “شؤون وطنية”- أن للإنشاد قوة عظيمة قادرة على التأثير في المجتمع؛ حيث يلامس القضايا الدينية الروحانية ويستخدم الكلمات التي تذكي الروح الوطنية، بالإضافة إلى الألحان التي تلامس الأرواح المستقاة من التراث الإسلامي والتراث الوطني بشكل خاص.
وفي حقيقة ما يحتاجه المجتمع من تعزيز الوعي بقيمة الإنشاد، كوسيلة تربوية وثقافية تسهم في بناء الذائقة والقيم الإنسانية لدى مختلف الفئات، يوضح المحاربي -عضو مجموعة الوفاق الإنشادية- أن المجتمع بحاجة إلى التوعية بأهمية الإنشاد والغناء الهادف، فليس المراد من الإنشاد الترفيه وليس مقصده عرض المهارات الصوتية والمقامات والألحان دون أي معنى، بل تكمن أهميته في اختيار الكلمات المناسبة للحال وللظرف الزمني والمكاني؛ إذ ينبغي أن تكون الكلمات أصيلة ذات مغزى نبيل وهدفٍ سامٍ، وغاية عظمى، وتناسب كافة شرائح المجتمع حسب المُخاطَب، وكذلك لا بد أن تسمو بذائقة الجمهور من حيث اللحن العميق الذي يوصل معنى الكلام، مضيفا: “أيتذكر هنا كلام المنشد أبي الجود حيث يقول في بعض أناشيده:
أنا ليــــــس نشيدي ملهاة
بل دوري ترشـيد الفن
أنا ليس قصيدي مدعاة
للشهرة فــي هذا الكون
كلماتي ليســـــت آهات
أنشـــــدها عبثاً لا تغني
كلماتي منبعها مــــــدد
من قلب الهادي في أذني
كلماتي بعثت في الدنيا
بســمات الفرحة والأمن
كلماتي بستان يعطـــي
ثمراً يستصرخ من يجني
كلماتي أرســـلها نوراً
في الكون ليــرويها عني
من كل ضروب الخير
تجد كلماتـــي أداها لحني
ويتطرق المحاربي إلى أبرز المرتكزات التي يمكن أن يقوم عليها الابتكار في الإنشاد العُماني للحفاظ على أصالته، مع مواكبة التطورات الفنية والتقنية وأساليب العرض الحديثة، مشيرا إلى أن الابتكار لا يعني إلغاء القديم من الفن والنشيد العماني، ولكن يمكن الابتكار بالاستفادة من التجربة القديمة للإنشاد العماني، مع البحث عن الكلمات الجديدة المفيدة من الشعراء الجدد، وابتكار ألحان جديدة تناسب روح الكلمات، والاستفادة من جميع مدارس الإنشاد في العالم مع الحفاظ على الهوية العمانية في أساليب الأداء التي تلامس قلوب أفراد المجتمع العماني.
ويتابع قائلا: “ما نراه اليوم من تقليد المدارس القديمة غير العمانية، وما نراه كذلك من الاقتصار على الموروث العماني كلاهما لا يؤدي إلى ابتكار للأسف، فالكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ذلك ما قرره القرآن الكريم، فكيف إذا ارتبطت الكلمة الأصيلة باللحن العذب؟! لا بد وأنها تلامس أعماق النفس البشرية والوجدان والروح، وتبعث فيها السكينة والتأمل والصفاء، وتحفز الجمال الداخلي في النفس في المخبر لينعكس ذلك على المظهر، ومن خلال الكلمات التي تدعو إلى الرقي والأخلاق النبيلة تستقيم النفس وتتذكر وتذكر ربها وخالقها وتعرف نفسها أكثر فأكثر، و”من عرف نفسَه، عرف ربَّه”.
ويتحدث المحاربي عن الرؤية المطلوبة لتطوير حضور الإنشاد العُماني مستقبلاً، وكيف يمكن دعمه ليصبح جسراً ثقافياً يعكس ثراء التجربة العُمانية على المستويين الإقليمي والعالمي: “المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية متكاملة، تبدأ من اكتشاف المواهب وصقلها، وتمر بتوفير بيئة مناسبة للإنتاج والتدريب، وتنتهي بالوصول إلى الجمهور محليًا وخارجيًا، كما نحتاج إلى مزيد من التوثيق للإنشاد العُماني وتجارب الفرق والمنشدين؛ لأن التوثيق يحفظ الذاكرة الفنية ويتيح للأجيال القادمة معرفة مسيرة هذا الفن وتطوراته، ومن المهم أيضًا تعزيز حضور الإنشاد في الفعاليات الثقافية والفنية، وتشجيع المشاركات الخارجية، والاستفادة من المنصات الرقمية للوصول إلى جمهور عربي وعالمي، وعندما يقدم الإنشاد العُماني أعمالًا ذات جودة عالية، تحمل خصوصيتها المحلية بلغة فنية قادرة على التواصل مع الآخر، فإنه يستطيع أن يكون جسرًا ثقافيًا مهمًا؛ فالفن لا يحتاج دائمًا إلى ترجمة حتى يصل إلى الإنسان؛ الصدق والجمال والموسيقى والمشاعر قادرة على صناعة مساحة مشتركة بين الثقافات”.
وفيما يتعلق بمجموعة الوفاق الإنشادية وما قامت به من رسم لحضورها في المشهد الإنشادي العُماني، وأبرز المحطات التي شكلت تجربتها، وأوجه التجديد التي تسعى إلى تقديمها لتعزيز أثر الإنشاد وانتشاره، قال المحاربي إن المجموعة قامت منذ بدايتها على فكرة أساسية تتمثل في تقديم الإنشاد باعتباره عملًا جماعيًا يحمل رسالة وقيمة، وليس مجرد اجتماع للأصوات، ولذلك كان الانسجام بين أعضاء المجموعة من أهم العناصر التي عملوا عليها، إلى جانب الاهتمام بالمحتوى وجودة الأداء.
ويؤكد: تجربتنا تشكلت من خلال مجموعة من المحطات والمشاركات التي أتاحت لنا الاحتكاك بالجمهور، والتعلم من التجارب المختلفة، ومراجعة أعمالنا وتطويرها بصورة مستمرة، وكل مشاركة كانت بالنسبة لنا فرصة لاكتشاف جانب جديد يمكن أن نطوره؛ ومن تلك المحطات مشاركتنا في دار الأوبرا السلطانية والمتحف الوطني والنادي الثقافي وغيرها، أما على مستوى التجديد، فنحن نسعى إلى تقديم أعمال تحافظ على روح الإنشاد وهويته، مع الاستفادة من الأساليب الحديثة في التوزيع والإنتاج والتصوير والعرض، كما نحرص على تنويع الموضوعات بحيث لا تقتصر على جانب واحد، وإنما تمتد إلى القضايا الإنسانية والوطنية والاجتماعية والقيمية.
ويبين المحاربي: “نؤمن في مجموعة الوفاق بأن نجاح أي تجربة إنشادية لا يقاس فقط بعدد الأعمال أو المشاركات، وإنما بمدى قدرتها على ترك أثر حقيقي لدى الجمهور، ولذلك فإن طموحنا هو أن نستمر في التطوير، وأن نقدم أعمالًا تليق بالإنشاد العُماني، وتصل إلى مختلف شرائح المجتمع، وتسهم في إبراز هذا الفن بالصورة التي يستحقها”.
وفي نهاية حديثه يؤكد: أعتقد أن الإنشاد العُماني يمتلك مقومات كبيرة للاستمرار والتطور، لكنه يحتاج إلى تضافر جهود المنشدين والفرق والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وإلى إيمان حقيقي بأن الفنون الهادفة قادرة على صناعة الوعي وحفظ الذاكرة وتعزيز الهوية،ونحن في مجموعة الوفاق نطمح إلى أن نكون جزءًا من هذه المسيرة، وأن نقدم أعمالًا تجمع بين جمال الكلمة، وروح الأداء، وأصالة الهوية، وروح العصر، وأن يبقى صوت الإنشاد حاضرًا في وجدان المجتمع العُماني، وقادرًا على الوصول إلى آفاق أوسع.
