آمنة بنت محمد البلوشي
ayaam 222@gmail.com
هناك أناس لا يعيشون أعمارهم على الأرض فقط، بل يوزعون أرواحهم بين الجهات الأربع. يتركون شيئًا في البحر، وشيئًا في الريح، وشيئًا على قمم الجبال، حتى إذا رحلوا، لم يغادروا حقًا، بل أصبحوا جزءًا من المكان.
هكذا كانت نظيرة الحارثية.
كلما تأملت رحلتها، عاد بي الزمن إلى عام 2003، يوم سمعت صوتها للمرة الأولى. كان صوتًا يحمل دفء الشمال الشرقي، يخرج من بين نخيل القابل وسكينة المضيرب، ويشبه البيوت التي تحتفظ برائحة الطين بعد المطر. لم يكن صوتًا يبحث عن الانتباه، بل كان يشبه أصحابه؛ هادئًا، صادقًا، وعميقًا. ولم أكن أعلم أن ذلك الهدوء يخفي قلبًا خُلق ليحلّق أعلى من الغيم.
كبرت الأيام، وكبرت معها الحكاية. لم تعد نظيرة ابنة مكان فحسب، بل أصبحت ابنة الجبال جميعها. كانت ترى في الجبل أكثر من صخور وثلوج؛ كانت تراه مدرسةً للروح، وامتحانًا للإرادة، ومرآةً يرى الإنسان فيها نفسه كلما اقترب من السماء.
لم تكن تعرف الجبال من الخرائط، بل كانت تعرفها كما يعرف الإنسان وجوه أصدقائه. تحفظ ملامح المسارات، وانعطافات الأودية، وأسرار المرتفعات، وتقرأ الصخور كما يقرأ آخرون صفحات الكتب. كانت تمشي بثقة من يصادق المكان، حتى بدا وكأن الجبال تفتح لها دروبها، وتبادلها المحبة كلما عادت إليها.
وفي سلطنة عُمان، لم يكن حضورها مقتصرًا على تسلق القمم، بل كانت من الوجوه التي منحت ثقافة المغامرة معنى أعمق. آمنت بأن جبال عُمان ليست تضاريس صامتة، بل إرث طبيعي وثقافي يستحق أن يُكتشف ويُحترم. عرّفت الناس بالمسارات الجبلية، وشجعت على المغامرة المسؤولة، وأسهمت في نشر الوعي بأهمية المحافظة على الطبيعة، لأن الجبل في نظرها لا يُغلب، بل يُحترم، ولا يُقتحم، بل يُصادق.
وكانت تؤمن بأن المرأة العُمانية تستحق أن تكون حاضرة في كل الميادين، حتى تلك التي يظن البعض أنها حكر على الرجال. لم تكن تدعو إلى ذلك بالخطب، بل كانت تكتبه بخطواتها فوق الصخور، وبعلم عُمان الذي حملته إلى أعلى القمم. فتحت الطريق أمام كثير من الفتيات ليؤمنَّ أن الشجاعة ليست صفة يولد بها الإنسان، بل قرار يتخذه كل يوم.
وحولها اجتمع أصدقاء يشبهونها؛ قلوب تعشق المغامرة، وأرواح تجد في الطرق الوعرة معنى للحياة. كانوا يقتسمون تعب الصعود، ويحتفلون بشروق الشمس فوق القمم، ويصغون إلى صمت الجبال الذي لا يسمعه إلا من أحبها. كانت تعرف أن المغامرة ليست سباقًا للوصول، بل رحلة يتشاركها الرفاق، ويصنعون منها ذكريات لا تمحوها السنوات.
أحببت فيها أنها لم تكن تبحث عن الشهرة. كانت تترك للإنجاز أن يتحدث عنها. كانت تعرف أن الطريق إلى القمة ليس نزهة، بل تعب طويل، وأنفاس متقطعة، وصبر لا يراه أحد. وكانت تعود من كل رحلة وهي تحمل في عينيها شيئًا من زرقة السماء، وفي قلبها تواضع الذين يعرفون أن الطبيعة أكبر من الإنسان، وأنها لا تمنح أسرارها إلا لمن يدخل إليها بمحبة واحترام.
ثم جاء الخبر الذي تمنينا جميعًا ألا يأتي. رحلت نظيرة بين الثلوج التي أحبتها، وبين القمم التي حفظت خطواتها. وكأنها اختارت أن تكتب فصلها الأخير في المكان الذي منحته أجمل سنوات عمرها. هناك، حيث يقترب الإنسان من السماء أكثر من الأرض، بقيت روحها معلقة بين الغيم والثلج، شاهدةً على أن بعض الأحلام لا تنتهي بالموت.
لكن الإنسان لا يُقاس بعدد سنواته، بل بالأثر الذي يتركه. ونظيرة تركت أثرًا سيظل حيًا في ذاكرة عُمان. تركت مسارات يسلكها المغامرون، وأحلامًا تحملها الفتيات، ورسالةً تقول إن القمم ليست غاية، بل بداية لاكتشاف الإنسان لنفسه.
رحلت، لكن الجبال لن تنساها. ستظل الصخور تحفظ وقع خطواتها، وستظل الرياح تردد اسمها كلما عبرت القمم، وستظل كل فتاة عُمانية تنظر إلى الأفق البعيد وتتذكر أن امرأةً من هذا الوطن وقفت يومًا فوق أعلى جبال العالم، لا لتقول إنها وصلت، بل لتقول إن الطريق مفتوح لمن يؤمن بحلمه.
رحمكِ الله يا نظيرة…
لقد كنتِ ابنة الجبل كما كنتِ ابنة عُمان. حملتِ وطنكِ في قلبكِ قبل أن تحملي علمه على القمم، وتركتِ لنا إرثًا من الشجاعة، والإيمان، والمحبة، سيبقى طويلًا بعد أن تهدأ خطواتك. فبعض الناس لا يرحلون، لأنهم يتحولون إلى قممٍ نهتدي بها كلما أرهقتنا الطرق.
