سالم السيفي
دعونا نُقِرَّ بوعيٍ يقينيٍّ أنَّ العملَ، في جوهره المعرفيّ، ليس مجردَ ذريعةٍ لكسب العيش أو تركةٍ تُحرّك عجلة الإنتاج، بل هو الامتدادُ الأصيلُ لهوية الإنسان، والمجالُ الحيويُّ الذي تتجلى فيه كرامتُه وانتماؤُه لوطنه. ومن هذا المنطلق، فإنَّ سياساتِ التشغيل والقائمين عليها في وزارة العمل لا ينبغي أن يُنظرَ إليها عبرَ عدسةِ المعاملاتِ الإدارية أو كأرقامٍ صماءَ تتبادلها أروقةُ التخطيط؛ بل هي قضيةٌ أخلاقيةٌ وإنسانيةٌ ووجودية، ترتبطُ ارتباطاً وثيقاً باستقرار الفرد وسلامةِ النسيج الاجتماعيّ برُمّته.
والأزمة الحقيقية التي تواجه أي اقتصاد طموح لا تكمن في شح الموارد أو كثافة تدفق الخريجين فحسب، بل في الانفصام المعرفي بين الفلسفة العالية للرؤى الوطنية وأدوات تطبيقها على أرض الواقع. فعندما يتحول التعمين من غاية استراتيجية تهدف إلى نقل المعرفة وتوطين الخبرة إلى مجرد إحلال كمي عابر، يفقد التخطيط حكمته وتنقلب الغايات إلى عكسها؛ فيصبح الأمان الوظيفي قلقاً متجدداً، وتتحول بيئة الاستثمار من أرض خصبة للنمو إلى ساحة محفوفة بالمخاطر والانسحابات.
وحين نَزِنُ هذا الانفصامَ وهذه الفجوةَ الهيكليةَ المقلقةَ بميزانِ الواقع؛ نجدُ أنه في الوقتِ الذي تُصاغُ فيه سياساتُ التعمين والإحلالِ كركيزةٍ لبناءٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ يهدفُ لتمكينِ المواطن، يطالعُنا سوقُ العملِ بمتناقضةٍ صارخة؛ إذ يتقاطعُ التدفقُ السنويُّ المتزايدُ لمخرجاتِ التعليمِ العالي مع موجاتٍ متعاقبةٍ لتسريحِ الكوادرِ الوطنيةِ تحت دعاوى التعثر المالي أو إعادة الهيكلة. إن هذا المشهدَ القاتمَ يستكشفُ عن تخبطٍ تخطيطيٍّ غابت عنه الشفافية، فلم يقتصر أثرُه على تراكمِ أعدادِ المسرحينَ فحسب، بل امتدَّ ليزعزعَ ثقةَ المستثمرينَ ويقودَ بعضَ المنشآتِ إلى الانسحاب، جراءَ اضطرابِ البيئةِ التشغيليةِ وغيابِ المؤشراتِ الحاكمةِ لها
وعند عملية البحث في آليات الجدولة والدراسات القائمة عليها، تتضح لنا جلياً مكامن الخلل التي شابت تجربة الإحلال. فقد اعتمدت السياسات لسنوات طويلة على التعمين الكمي المعتمد على النسب المئوية دون مراعاة المهارات التخصصية أو دورة حياة الشركات، مما أدى إلى تعمين المهن التشغيلية والدنيا مع الإبقاء على الوظائف القيادية والتخصصية بيد العمالة الوافدة، وهو ما يضعف كفاءة العملية ويجعل المواطن أول الضحايا عند حدوث أي هزات مالية. كما يضاف إلى ذلك أيضاً غياب منصة بيانية متكاملة تربط التنبؤات المستقبلية بمدخلات التعليم، مما أوجد تدفقاً للمخرجات في تخصصات تشهد إشباعاً، مع افتقار القطاعات التقنية والصناعية للكوادر الوطنية الجاهزة. كما أن ضغط نسب الإحلال دون تقديم حوافز تشغيلية أو دعم مرحلي للأجور أثقل كاهل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمصانع الناشئة، ودفع بعض المستثمرين للانسحاب أو خفض النشاط التشغيلي عبر التسريح.
وقد أدى هذا التعاطي إلى خلق واقع مركب يتقاطع فيه مصير الفئات المسرحة مع تحدي التدفق السنوي للخريجين؛ فالمسرحون يملكون الخبرة ويفقدون مصدر الدخل، بينما الخريجون الجدد يفتقرون للخبرة ويواجهون سوقاً شحيح الفرص، مما يجعل أثر التسريح لا يتوقف عند فقدان الوظيفة، بل يمتد لتعثر الالتزامات المالية للمواطنين تجاه القطاع المصرفي وتراجع القوى الشرائية، ناهيك عن الضغط الواقع على منظومة الحماية الاجتماعية وصندوق الأمان الوظيفي. وفي ظل دخول آلاف الخريجين سنوياً إلى سوق عمل يعاني من عدم قدرته على استيعاب المسرحين، ينشأ اختناق وظيفي حاد يضع الفئات المسرحة في موقف أكثر حرجاً؛ نظراً لتردد الشركات في إعادة توظيفهم بسقوف أجور أعلى مقارنة بالخريجين الجدد.
وإن أشد ما تنكشف عنه هذه الأزمة ليس مجرد أرقامٍ تُتداول في التقارير الاقتصادية، بل إنه يمتد ليمس نسيج الأسرة العمانية في صميم وجودها؛ فالأسرة هي النواة الصلبة للمجتمع والعماد الذي يُبنى عليه استقراره. وحين تعصف أمواج التسريح بالأمان الوظيفي وتنسد منافذ التوظيف أمام الشباب، تنتج جراء ذلك شروخٌ غائرة في بناء المجتمع؛ فلولا هذا الاضطراب المهني والتذبذب المالي لما شهدنا أروقة المحاكم تعج بملفات الانفصال والطلاق نتيجة ضغوط العيش وتعثر التزامات الحياة، ولما رأينا كفاءاتٍ وطنية مسرحة كانت بالأمس سواعد للبناء تقع اليوم خلف قضبان سلب الحرية بسبب مطالبات مالية وديون تراكمت بعد خروجهم القسري من الخدمة، ولما أُكره الشباب على العزوف عن الزواج وتأجيل تكوين أسر جديدة لغلبة العوز وحالة الشك بالمستقبل. إن تحول الوظيفة من مصدر سكن واستقرار إلى هواجس تقض مضاجع العائلات يجعل صياغة سياسات التشغيل حمايةً مباشرة لتماسك الأسرة وصوناً لكرامتها قبل أن تكون مجرد خطة لرفد الأسواق.
وحين ننظر إلى التجارب الدولية الناجحة في إدارة ملفات التوظيف والحد من التسريح، نجد دروساً عميقة يمكن الاستفادة منها لتطوير النموذج الوطني. فالنموذج الألماني، على سبيل المثال، يعتمد على نظام التدريب المزدوج الذي يدمج الطالب في سوق العمل منذ اليوم الأول لدارسته، مما يجعله يمتلك خبرة عملية تُنعش المنشأة مباشرة، كما تطبق ألمانيا في أوقات الأزمات المالية آلية العمل مخفض الأجور حيث تدعم الدولة أجور العمال جزئياً لتمنع الشركات من تسريحهم حتى تتجاوز الأزمة. وفي سنغافورة، لم تُفرض نسب توطين عشوائية، بل أُنشئت منظومة لتطوير المهارات تدعم تدريب الكوادر الوطنية لتشغيل الوظائف التخصصية والعليا، مع فرض إبلاغ وزارة العمل بأي نية للتسريح قبل فترة كافية للتدخل وإعادة تأهيل الموظفين. أما النموذج النرويجي، فيعتمد على الشفافية التامة عبر قاعدة بيانات وطنية محدثة لحظياً تُتيح للجميع رؤية احتياجات السوق المستقبلي للسنوات القادمة، مما يمنع حدوث تكدس في تخصصات راكدة.
ولكي لا يظل المواطن معلقاً بين مطرقة التسريح وسندان شح الفرص، أضحت الشفافية والمؤشرات الحاكمة مطلباً ملحاً يجب أن تتبناه الجهات المعنية قبل وأثناء إدراج قوائم التوظيف. مما يجعل استعادة الثقة تتطلب الاعتماد على مؤشر جودة التخطيط والتمكين الذي يقيس القيمة المضافة للوظيفة ونقل المعرفة في المهن الوسطى والعليا مع التركيز على صقل مهارات الكوادر العمانية في المراحل الأولى من التوظيف عبر التأهيل القيادي. كما يستلزم الأمر تبني مؤشر استقرار المنشأة لقياس الملاءة المالية للشركات قبل فرض خطط الإحلال تجنباً لإرهاقها، وتفعيل مؤشر الرصد المبكر لتتبع الإشارات المالية الشاحبة للمؤسسات قبل وقوع التسريح للتدخل بالحزم التسهيلية أو إعادة توجيه العمالة لقطاعات أخرى بشكل سلس، وترسيخ مؤشر إتاحة البيانات، وإعلان التقارير الدورية حول حركة التوظيف ومصير المسرحين ونسب الاستبقاء، بما يقطع دابر التخبط ويمنح المستثمرين وباحثي العمل رؤية مستقبلية واضحة.
وبما أننا اليوم أمام واقع وتحدٍ لا يقبل القسمة على اثنين، فإن هذه الأزمة لا تقف عند حدود الشلل التخطيطي وإرباك المنظومة الاقتصادية فحسب، بل إنها تسربت إلى الأبعاد النفسية والوجودية لجيلٍ بأكمله، ليجد الشباب العماني أنفسهم أمام حالة من الهلع والقلق المركب؛ هلعٌ يداهم الباحثين عن عمل وهم يرقبون تسرب العمر واقترابهم من سقف الاشتراطات الزمانية دون ملجأ يلوذون به, وبين انحسار الملاذ الحكومي واشتراطات القطاع الخاص التعجيزية، وكابوسٌ يطارد الموظفين والمسرحين الذين بات الأمان الوظيفي لديهم خيطاً واهياً يهدد استقرار أسرهم والتزاماتهم المالية في كل لحظة. إن هذا الخوف المزدوج من ضبابية البداية مع تقدم السنين ومن النهاية المفاجئة بعد استقرار العمل يحول الطاقة الإبداعية للشباب إلى استنزافٍ نفسي مستمر، ويؤكد أن الأمان المهني ليس ترفاً، بل هو ركيزة الطمأنينة الاجتماعية والشرط الأول لبناء إنسانٍ قادر على العطاء.
وختاماً؛
إن حماية سوق العمل العماني وتعزيز جاذبيته للاستثمار لا تتناقض مع تعمين المهن وإحلال الكوادر الوطنية، بل تتكامل معها متى ما وجد التخطيط السليم القائم على الشفافية والأرقام الواقعية. وإن منظومة الإصلاح تبدأ من الاعتراف بأن الشفافية ليست رفاهية إدارية، بل هي الضوء الذي ينفي التخبط. لقد حان الوقت لتجاوز الممارسات التقليدية والمسكنات الوقتية، والانتقال نحو استراتيجية شاملة تضمن للمستثمر بيئة مستقرة ومشجعة، وللعامل العماني أماناً وظيفياً يمنحه القدرة على الإنتاج والإبداع، لبناء اقتصاد متين يضع الشفافية والمؤشرات الدقيقة في قلب اتخاذ القرار.
