د. سالم بن سعيد الوهيبي
ربما سمعت بمقولة “الثقة معدية”، لكن الخبراء الاقتصاديين اليوم يؤكدون كذلك أن “التشاؤم معدٍ” ايضا، وهو أكثر ضرراً من أي فيروس اقتصادي. حين تستعجل الأسواق بالسيئة، أي حين يسيطر القلق على المستهلك والمستثمر معاً، تتجمد السيولة، وتتراجع المشاريع، وتُسرّح العمالة، لا لأن الإنتاجية تراجعت فعلياً، بل لأن “المناخ الذهني” أصبح ملوثاً بالخوف. هذا هو بالضبط المعنى المعاكس لما قصده القرآن بقوله: “ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب”. التقوى هنا ليست فقط في الصلاة والصوم، بل هي في الوعي الإيجابي، وفي اليقين بأن النظام الإلهي للكون مبني على العدل، وأن السعي الصادق لا يضيع. هذا الإيمان اليقيني يمنح المستثمر جرأة على الإقدام في أوقات الكساد، ويمنح الموظف إصراراً على التطوير في أوقات التهديد بالتسريح.
تقدم لنا قصة سيدنا يوسف عليه السلام في التخطيط الاقتصادي الدرس البليغ في التخطيط باليقين، فسر رؤيا الملك ، وفهم أنها إنذار بسنين عجاف، فلم يركن إلى الخوف أو يستعجل باليأس، بل وضع خطة استراتيجية لمدة 14 عاماً (سبع سنين غرس، وسبع سنين أكل من المخزون). هذا هو التفكير الإيجابي العملي: أن ترى او تستشرف الازمة او الكارثة، وتستعد لها، ولا تنتظر حتى تقع لتلوم القدر والظروف والحظ. عندما تعم هذه العقلية في أمة، ترى الشركات تنشئ صناديق احتياطية، والأسر تتعلم ثقافة الادخار، والدولة تخطط لمشاريع بنية تحتية خلال فترات الركود لتوفير فرص عمل. كل هذه هي ثمار “الحسنة” التي نضجت قبل أن تأتي “السيئة”. أما المجتمعات التي تستعجل الانهيار، فتبدأ بتسييل أصولها، وتهريب أموالها، ووقف عقودها، وهنا يتحقق الانهيار الذي توقعته، لا قدراً، بل رد فعل ناتج عن اختيارها.
نحن بحاجة ماسة إلى غرس الوعي الجمعي وتسليط الضوء على مفهوم “المناخ الاستثماري النفسي” كما نكتب عن “المناخ الاستثماري القانوني”. لأن البيئة الآمنة لا تتشكل فقط بالقوانين، بل بثقافة أن الغد أفضل، وأن من يعمل بإتقان سيجد جزاءه، وأن الوطن يستحق أن نمنحه فرصة أخرى كل صباح. من يعطِ هذا الأمل لنفسه، يكون قد منح اقتصاده شريان حياة جديداً.
في المقال القادم سيكون حديثنا حول “التفكير الإيجابي كضمان للتماسك الاجتماعي والأمن المجتمعي”.
