إسماعيل بن حمد الكندي
في هذه المدينة، اختل توازن المنطق فأصبحت الفجوة بين الإنسان والقيمة سيدة الموقف، فبين غرور وتمرد وتسلط، يرسل الأديب الدكتور نجيب الكيلاني بقلمه شعلة عبر الضعفاء ليعلنوا الكفاح بروحهم على أزقة المدينة، مرددين أصوات الحرية، ولاجئين لله من غير سواه.
رواية من الأدب الإسلامي، يعكس كاتبها الدكتور نجيب الكيلاني واحدة من المآسي السياسية التي مرت بتاريخ المسلمين في العاصمة الإندونيسية “جاكارتا”، ويرسم الدكتور عبر شخصيات الرواية الأحداث في سياق سياسي، واجتماعي ونفسي، ليجعل قرّاءه يعيشون شعور كل شخصية في الرواية.
تبدأ أحداث الرواية في يوم من أيام العاصمة جاكارتا، بحوار بين زعيم الحزب وزوجته، ويرسم الكيلاني عبر هذا الحوار غرور زعيم الحزب، حيث يعبر عن تعريفه الشاذ للحب والوطنية وغيرها من المشاعر التي يتوجب أن تكون طبيعية وإيجابية لدى الإنسان العادي، ويركز الروائي على مسألة الإيمان بالله في هذا الحوار، والذي يتغنى الزعيم برأيه مرددًا “الدين هو العقبة الوحيدة في طريق تقدمكم”.
ولا يكتفي الكيلاني بسرد شخصيات تمثل الاستبداد، بل ينتقل ليوازنها بشخصيات معادية للحزب وأفكاره، فيتبين فكرهم البسيط وتتجلّى القيم المتماسكة والإيمان الثابت، ويمنح الروائي من خلال هذا البعد فكرًا بغيته صنع فجوة بين قيم الطرفين، ليضيف عمقًا للرواية.
ومن خلال أسلوب المقارنة، يتكشف أن الكاتب لا ينوي صنع صراع ديني، بل يشير إلى الفــــارق بين الإيمان بالله حقيقــــةً، والإيمان بالتصور عنه، فالله هو الحقيقة، ومن يؤمن به يخشاه، الآخرون يؤمنون بالتصور عنه، وأولئك متذبذبون، تلك هي المسألة.
يسلط الكيلاني الضوء على انتشار أفكار الحزب المسمومة، من خلال استخدامهم لوسائل الدعاية التي انتشرت بقوة إبان الحرب العالمية الثانية، ويستهدف الحزب عقب سيطرته على وسائل الإعلام على فئات معينة من الشعب؛ فالرسالة التي تستهدف الأمّيّ ليست كالرسالة التي تستهدف ذلك المثقف، والرسالة العامة التي يريد الجميع سماعها هي “التطور”، ولا يستخدم الكاتب تلك التفاصيل كونها أدوات سياسية، بل يشير إليها عبر السرد كآليات لتشكيل وعي المجتمع، وهو ما يجعل الرواية واجهة نقدية لطرق الاستبداد المحدثة.
ينجح الكاتب في الجانب المقابل، في صنع شخصيات تمثل المقاومة فشخصية حاجي محمد تمثل قوة الكلمة والمكانة الاجتماعية، فهو في لسان أحد المارة “هو رجل عظيم، ولقد اختار الطريق الصعب”، بينما تجسد “العذراء” فاطمة شخصية غير اندفاعية تبحث عن مفتاح لكسر القوة من المكان الصحيح، فهي تدرك أن مواجهة الفساد لا تحتاج للقوة فقط فالحكمة طريق للوصول.
كما ينجح الكاتب في صنع رحلة فاطمة في الرواية بطريقة تشابه رحلة الفارس “دون كيخوت” من رواية “دون كيخوت دِ لامانتشا” للإسباني “ميغيل دِ ثربانتس”، فالتشابه يكمن في إدراك أن الطريق للوصول للحق ليس واحدًا، بل هو فيما قدره الله لك، فالفارس يخاطب مرافقه قائلاً “لو أن الطريق لله واحدًا، لأصبح الجميع رهبانًا”.
ولعل أكثر ما يميز الرواية، هو اهتمامها بالجانب النفسي، ففي حدث الانقلاب من الحزب على الدولة، والذي يشكل أهم حدث في الرواية، لا يجعله الكيلاني مشهدًا عسكريًا صاخبًا، وإنما يركز على ما يتركه الحدث في النفوس، ويتحول الحدث من صراعٍ سياسي لحدث تتكشف به المعاني الإنسانية كالحب والخوف والوطنية وغيرها.
ويظهر ذلك في حوار نبع وسط المعمعة، بين سجّان ومسجون، حول معنى الحب وقيمة الإنسان، فعلى الرغم من بساطة الحوار إلا أنه يضيف الكثير من العمق للرواية ومعانيها، ذلك يكشف أن الكاتب لا يجعل من الخطب المؤثرة والكلمات الرنانة وسيلة للتأثير المباشر على القراء، بل يستخدم تلك التفاعلات البسيطة بين الشخصيات لإيصال رسالته.
ختامًا، لا تقتصر رواية عذراء جاكارتا على كونها رواية تنقل حقبةً سياسية وحسب، بل هي تقدم رؤية فكرية إنسانية بين الإيمان وعدمه، و بين الدعاية والمبادئ، وقد نجح الأديب الدكتور نجيب الكيلاني في صنع شخصيات تنقل المأساة بطريقة شاعرية، بينت أن ثبات الوعي والإيمان بالله هو سر ثبات الشعب أمام أي غزو كان.
